‫الرئيسية‬ رأي أزمة السلطة الإنتقالية.. إلى أين؟ وما العمل؟
رأي - نوفمبر 1, 2020

أزمة السلطة الإنتقالية.. إلى أين؟ وما العمل؟

محمد ضياء الدين :

يحمد للبروفسور صديق تاور أنه كان أول من رمى حجراً في ساكن الواقع السياسي الراهن، بكشفه لكيفية إتخاذ القرار بالتطبيع، وصناعته، بعيداً عن المؤسسات المعنية، والتي همشت مجلسي السيادة، والوزراء وأقصتهما، لصالح انفراد رئيس المجلس السيادى بالتقرير دون تفويض، وفي مخالفة صريحة للقانون والوثيقة الدستورية، في قضية حساسة من قضايا السياسة الخارجية، أقرت العديد من القوى السياسية، أن البرلمان (المنتخب) هو الجهة الوحيدة التي يمكنها التقرير في هذا الأمر.

الحجر الذي ألقاه بروفسور تاور أثار- وما يزال يثير- الكثير من ردود الأفعال، والتي كشفت بدورها العديد من الجوانب الخافية لصناعة قرار التطبيع ومهندسيه. ونتيجة لذلك، تبارى عديد من المسؤولين، على رأسهم الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، للحديث عن خلفية قرار التطبيع والتعليق على حديث تاور، الأمر الذي أثار بدوره تعليقات من عدد من القيادات السياسية، على رأسها الأستاذ على الريح السنهوري، زعيم حزب البعث، والإمام الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة، اللذين ورد ذكرهما في حديث البرهان، وما زالت ردود الأفعال تترى.
غير أن أبرز ما يلفت النظر في ذلك التداعي في ردود الأفعال، هو نزوع البعض لتغيير الموضوع ووجهة النقاش، بإهمال ما كشفه تاور، والتركيز على الطلب من البروفسور تاور وطاقم السلطة الانتقالية بالاستقالة، متجاهلين أن المنطقي هو المطالبة بإستقالة من خرق الوثيقة الدستورية، وصالح العدو الصهيوني، وليس من كشف ذلك الخرق والتجاوز، بجانب تجاهل أن تاور وكل أعضاء مجلسي الوزراء والسياده المدنيين، لا يمثلون أحزابهم وتنظيماتهم، ولا حتى أنفسهم، وإنما يمثلون قوى الحرية والتغيير، التي اختارتهم، مع آخرين، لتمثيلها في مجلسي السيادة والوزراء بموجب إتفاق قسمة السلطة، بينها وبين المجلس العسكري الانتقالي، وبالتالي فإن قرار الانسحاب من الحكومة، والذي يعني في هذا السياق تحديداً الانسحاب من الشراكة، هو قرار يخص تحالف قوى الحرية والتغيير، متى ما رأت إن ذلك الموقف يمثل رداً مناسباً على ما تم من تجاوز لأعراف الشراكة وأشراطها، وسيكون قراراً لازماً للجميع، في المجلسين، وليس وقفاً على فرد أو أكثر، ومع ذلك فإن الإنسحاب أو الخروج من الحكومة، والذي ستقرره قوى الحرية والتغيير ، بشكل مستقل ودون إملاء من أحد، ليس غائباً من الحسابات، لكنه سيكون محكوما بظروفه، التي ستقدرها قوى الحرية والتغيير، بما في ذلك مدى التقدم في إنجاز مهام الفترة الانتقالية، ومنها الانتخابات العامة، والتي ستتحكم في شكل المرحلة اللاحقة.
إن الكثير من علامات الاستفهام تقف أمام هذه الدعوة المريب ودوافعها، إذا استثنينا المشفقين على أمر آداء السلطة الإنتقالية.
أما الدعوة (الملغومة) يبدو أنها تستهدف تهيئة المسرح لإحلال قوى جديدة محل قوى الحرية والتغيير في تركيبة الحكم الانتقالي، المقننة في الوثيقة الدستورية.
لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الحاضنة البديلة، مع هجوم مكثف على تحالف قوى الحرية والتغيير من جهة، وهجوم مواز على الوثيقة الدستورية من جهة أخرى، للتمهيد لبروز الحاضنة البديلة.
وقد شهدت مداولات جوبا وما تضمنه إتفاق السلام الموقع هناك بين الحكومة والجبهة الثورية، مسعى واضحاً لاحداث تعديل جذرى على تكوين مؤسسات الحكم الانتقالي والحاضنة السياسية، والوثيقة الدستورية، بما يساوي إنقلابا تاما على الحكم الانتقالي برمته.
وفي ضوء هذا التوجه الواضح، فان من الطبيعي أن ترفض قوى الحرية والتغيير، أن تخلي مكانها في الشراكة لقوى سياسية جديدة، غض النظر عن مساهمتها في الثورة وإنجازها.
إن الخروج من الحكومة، أو الانسحاب منها، كما تنادي بعض الأصوات (بغض النظر عن الدوافع)، ليس هو فضاً للشراكة. فقوى الحرية والتغيير، من واقع دورها في صناعة الثورة والتغيير، معنية بالتمسك بالشراكة وتصحيح مسارها، وليس بنقضها، وإخلاء مكانها لقوى الردة التي ظلت تتربص بالثورة وبحكومة الثورة، وتضع أمامها العراقيل وتفتعل الأزمات من أجل إفشالها، تمهيداً للانقضاض على الحكم الانتقالي بأكمله.
وانطلاقاً من تمسكها بالشراكة، فإنها ستعمل على تصحيح وترشيد مسار الحكم، بما في ذلك تعديل الوزارة كليا أو جزئيا، متى ما كان ذلك ضروريا، كما هو متعارف عليه في الأنظمة الديموقراطية.
فمن موقعها في الشراكة، الذي تمنحه لها الوثيقة الدستورية، تستطيع أن تعمل لأجل التصحيح، بما يتوفر لها من شرعية، خلافا لما سيؤول إليه وضعها في حال ألغت الشراكة، ووفرت الذريعة للطرف الآخر للتنصل من أي التزام بها.
إن القفز من مرحلة تصحيح الحكم ومؤسساته، والتي تعبر عن حاجة ملحة وواقعية، في المرحلة الراهنة، إلى الدعوة للخروج من الحكم، أو الغاء الشراكة، وتمزيق مواثيقها، لن تقدم حلولا للوضع الراهن المأزوم بقدر ما ستقود البلاد إلى الوراء، وتفسح المجال أمام تمكين قوى الردة.
لذلك فان الإجابة الطبيعية للمشكلات الراهنة، والتي تلخص أزمة الحكم الانتقالي، تتمثل في ضرورة التقيد بالوثيقة الدستورية، كخطوة لابد منها على طريق الاصلاح، وقد تبين نزوع المكون العسكري للمجلس السيادي على انتزاع صلاحيات وسلطات ليست له، لاتخاذ قرارات في قضايا مصيرية ليس مفوضا لاتخاذها، وفي هذا السياق لابد من التأكيد على ضرورة الشروع فورا، في تكوين المجلس التشريعي وفق ما نصت عليه الوثيقة الدستورية. كما لابد من إجراء تعديل في تكوين مجلسي الوزراء والسيادة، من واقع مؤشرات الآداء والتقيد بالوثيقة الدستورية والالتزام بالبرنامج المقترح من قوى الحرية والتغيير خصوصا، إذا أصرت الحكومة في المضي بعيداً في العمل بشكل مستقل عن قوى الحرية والتغيير، ودون تنسيق معها. فقد ثبت، حتى الآن، أن الحكومة تتعمد تنفيذ أجندة خاصة بها، بالذات فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، وتمانع في الالتزام ببرنامج الحاضنة السياسية، فضلا عن تخلي الحكومة عن سلطاتها للمجلس السيادي، وتحولها إلى مجرد كيان تشريفي، كما ظهر ذلك بشكل جلي في قيادة المكون العسكري لمفاوضات جوبا وتوجيهها، وكما حدث في شأن التقرير حول التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو أمر قد يحتم تغيير الطاقم الوزاري بآخر ، يشترط فيه التقيد والإلتزام بتنفيذ البرنامج.
لقد ظلت الحكومة، بمكونيها العسكري والمدني، خلال الفترة الأخيرة موضع نقد قاس، وعدم رضا من مختلف قطاعات الشعب التي تعاني من صعوبات العيش وأزماته المتفاقمة، ومن اختلال الأمن، ومن عجز الحكومة في إيجاد مخرج عاجل من تلك الصعوبات والأزمات. ومع ذلك يبقى الخيار المتاح، بالنسبة لقوى الحرية والتغيير، في مواجهة أزمة السلطة الانتقالية، هو إصلاح الحكم من داخله، وتأسيساً على الشرعية التي تتمتع بها، وليس إسقاطه، والضغط عن طريق الشارع لأجل فرض مثل هذا الاصلاح ، متى ما كان ذلك خياراً لا مناص منه. وانطلاقا من التمسك بالشراكة، والعمل على تصحيح ما يكتنف مسيرتها من تجاوزات، وحراسة الوثيقة الدستورية، والتصدي لمخططات قوى الردة للانقضاض على الحكم، والاستمرار في قيادة الفترة الانتقالية حتي قيام الانتخابات، والحيلولة دون إنفراد قوى الردة في التقرير في مصائر العملية الإنتخابية بالتحكم في أدواتها من قانون الانتخابات، إلى مفوضية الانتخابات، إلى الإحصاء السكاني، وغيره من الإجراءات المصاحبة.
إن الدعوة للخروج من الحكم، أو الانسحاب من الشراكة، والتي تصدر من أواسط قوى الردة، ليست هي الحل المنشود لمشكلات البلاد الراهنة، والمستند لتحليل تلك المشكلات وجذورها، بقدر ما هي دعوة مشبوهة، تنطوي على رغبة مبطنة في العودة للحكم، بإستغلال الأزمات التي تمر بها البلاد، وهي أزمات، بعضها مصنوع، بغرض لي ذراع الحكومة والشعب للقبول بخيارات سياسية محددة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

‫شاهد أيضًا‬

شركاء الانتقالية وشعب المدنية

د. محمد صديق العربي كثيرا ما يسألنا الأصدقاء لماذا لا نوجه سهام الاقلام إلى المكونات العسك…