‫الرئيسية‬ رأي هل يصبح بايدن آخر رئيس أمريكي “أبيض”؟
رأي - نوفمبر 9, 2020

هل يصبح بايدن آخر رئيس أمريكي “أبيض”؟

ألكسندر نازاروف :

كان التصويت في ولايتي أريزونا ونيفادا الأمريكيتين بمثابة القشة الأخيرة التي قلبت الميزان لصالح المرشح الديمقراطي، جو بايدن، في انتخابات الرئاسة الأمريكية 2020.
من سخرية القدر أن يصبح المهاجرون المكسيكيون، الذين حاربهم طويلا وبشراسة الرئيس الحالي، والمرشح الجمهوري، دونالد ترامب، سببا في إحراز غريمه الديمقراطي، جو بايدن، انتصارا مضمونا، وهو ما يؤكد من جديد أن عناد العمليات التاريخية أمر مستحيل عمليا.

لقد نما خلال العقد الأخير عدد السكان من أصول لاتينية في نيفادا من 27% إلى 33%، وفي أريزونا من 30% إلى 36%، وبشكل عام يعد هذا التوجه نموذجيا لجميع الولايات الأخرى، بل إن الأقلية اللاتينية قد أصبحت أغلبية في بعض الولايات، أو أنها بصدد أن تصبح أغلبية في السنوات القليلة المقبلة. على سبيل المثال، فإن الناطقين بالإسبانية في كاليفورنيا وتكساس قد أصبحوا يمثلون 44% من تعداد سكان الولاية، بينما يبلغ تعدادهم في نيومكسيكو 52%، وفي كولورادو 25%، وفي فلوريدا 27%، وفي إلينوي 20%. وهي الأصوات الكافية لهزيمة ترامب
بشكل عام، تعد هذه الانتخابات مصيرية لكونها أيضا تمثل نهاية لحقبة نظام الحزبين في الولايات المتحدة الأمريكية، فضلا عن اقتراب نهاية الحكم الأبيض في البلاد. فكما نعلم، يشكل المحافظون البيض العمود الفقري لأنصار الحزب الجمهوري، بينما تصوت الأقليات العرقية عموما للحزب الديمقراطي. لذلك فقد كان ترامب هو آخر معركة للأغلبية البيضاء على السلطة، وقد خسرت هذه المعركة. من الآن فصاعدا، سوف تحرم التوجهات الديموغرافية، أي انخفاض نسبة البيض، ونمو الأقليات القومية، الحزب الجمهوري من فرص أي فوز آخر على المستوى الوطني في السنوات المقبلة على أقل تقدير، وربما للأبد، نظرا للشكوك التي تحوم حول قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على البقاء بشكلها الحالي. من الآن فصاعدا، سوف يُحكم على الجمهوريين بأن يكونوا أقلية في الكونغرس الأمريكي، وربما يكون في استطاعتهم فقط في أحسن الأحوال السيطرة على بعض الولايات الفردية، ذات الغالبية من السكان البيض. لذلك فقد يكون جو بايدن آخر رئيس أمريكي أبيض للفترات الرئاسية القليلة القادمة.

في الوقت نفسه، فإن الأزمة الناشئة عن التغيرات الديموغرافية في الولايات المتحدة الأمريكية هي أزمة تعود لطبيعة النظام الأمريكي بالأساس، حيث يثير وجود حزام من الولايات اللاتينية من تكساس وحتى كاليفورنيا تساؤلا حول المساواة اللغوية على الأقل للأمريكيين الناطقين بالأسبانية من أصول لاتينية، وعندها ستظهر قضية الحكم الذاتي ثقافيا وإداريا، وقد تصل في المستقبل إلى نزعات انفصالية.

لقد فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في خلق نموذج ناجح للتعايش السلمي بين المواطنين من مختلف الأعراق والجنسيات، حيث تنعزل المجتمعات العرقية عن بعضها البعض، ولا تختلط، وتحاول عدم الاتصال دون أن تكون هناك ضرورة لذلك. في الوقت نفسه، تشير حركة “حياة السود مهمة” إلى أن هذا النموذج كان بإمكانه فقط إخفاء تصاعد الحزازات العرقية، لكنها انفجرت وتسببت في اشتباكات عند أول صدام على أساس العرق.

في هذه المرحلة، تتحد الأقليات العرقية ضد “العنصريين البيض”، ليصبح هذا جزءا من المواجهة بين الديمقراطيين والجمهوريين. ومع ذلك، ومع نمو نسبة الأقليات العرقية، فمن المرجح أن يحدث ترسيم آخر في الحدود بين المواطنين من أصول إفريقية، وغيره من أصول لاتينية، وغيرهم من الأقليات، حتى وإن حافظ الحزب الديمقراطي على كيانه كمتحدث باسم مصالح جميع الأقليات القومية، بالإضافة إلى البيض من ذوي العقلية الليبرالية. سوف تنشأ أحزاب مختلفة عرقيا، ولا يمكن لأي منها تشكيل حكومة بشكل مستقل، وسيتسبب أي احتكاك سياسي بين هذه الأحزاب أي تصاعد وتيرة الصراعات العنصرية، وهو ما لا يبشر بنظام مستدام على المدى البعيد.

كذلك، فإن العنصر الثاني في أزمة النظام الحزبي في الولايات المتحدة الأمريكية هو انهيار الإجماع الرأسمالي. فهناك ترسيم سياسي آخر ينضج في داخل الحزب الديمقراطي نفسه، على أساس المواقف تجاه الأفكار الاشتراكية. وحتى الآن، فقد تمكنت النخبة القديمة من تحييد أصحاب الأفكار اليسارية التي دعمت بيرني ساندرز. ومع ذلك، فهناك اعتقاد سائد بين الخبراء الاقتصاديين، أن الأمريكيين يعيشون أسوأ من الأجيال السابقة منذ ستينيات القرن الماضي. فالأجيال الحالية ليس لديها أي ممتلكات تقريبا، ولا يمكنهم الحصول على وظيفة بأجر مناسب، بل هم على العكس مثقلون بالديون الهائلة، التي لن يتمكنوا من سدادها سوى بوفاتهم. لذلك لم يكن من المستغرب أن تبدأ الأفكار الاشتراكية في الانتشار بسرعة بين أوساط الشباب الأمريكي، وخاصة بين “الملونين” منهم. ستحدث المواجهة والتشرذم في المجتمع الأمريكي على حدود هذا الخط أيضا.

إن الولايات المتحدة الأمريكية تواجه تحديات لا تملك القدرة على الاستجابة لها بشكل مناسب. وبعكس المرونة في تغيير الأجندة السياسية، والإصلاحات، ومنح الأقليات العرقية حقوقا سياسية أكبر، تنشغل النخبة الأمريكية بالبحث عن أسباب خارجية للأزمة الأمريكية، فتلقي باللوم على بوتين تارة، ثم على روسيا تارة أخرى، ثم على التدخل الروسي في الانتخابات تارة ثالثة، وغيرها. وبدلا من حل المشكلات الاقتصادية، تقوم الحكومة بتضخيم عجز الموازنة العامة، ويضخ الاحتياطي الفدرالي الاقتصاد الأمريكي بدولارات غير مغطاة، والتي ستتسبب مع الوقت في تدمير الدولار كعملة، ومعه ستدمر النظام الاقتصادي العالمي.

ووفقا لنظرية الدورات الاقتصادية للاقتصادي الروسي الكبير، نيكولاي كوندراتييف، تحدث أعمال الشغب والثورات عادة في نهاية كل دورة، أثناء الأزمات الاقتصادية. والدول المعقدة، متعددة الجنسيات، عادة ما تتفكك تحديدا أثناء تلك الأزمات الاقتصادية. سوف تحمل الأزمة الاقتصادية القادمة أبعادا هائلة، وستؤدي إلى تفاقم جميع الصراعات الداخلية في جميع البلدان إلى أقصى حدود ممكنة.

شخصيا، أشك أن تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية على حدودها الحالية لعقد أو ربما لعقد ونصف العقد القادمين.

‫شاهد أيضًا‬

صورة معيبة عن الحكم المدني

د. محمد صديق العربي : بدايات الفترة الانتقالية راهن أحد الأصدقاء على ان شخصية حمدوك المعرو…