
افتح الكبوت سعادتك
الطيب بشير :
كنتُ موقناً أنه عليّ إصلاح الدنيا بأسرها، ومن ضمنها السودان، تعلو كتفي نجمتان تعيناني على فرض رؤيتي للنظام باعتبارها الإجابة النموذجية، والشاب في عشريناته تعوزه الحكمة ويشغله التطبيق الحرفي للوائح، تغيب عنه فلسفةُ التشريع ويشغله منطوق المادة. خرجتُ من بيت الأسرة في محطة السينما بالجريف غرب في تمام الأناقة الشرطية واللياقة العسكرية، تعينني على الحركة سيارة صنعها اليابانيون قبل تخصيصها لي بنحو عشرين عاماً بيد أنها كانت تكفي لإكمال البهرجة في وقت لم تعرف سيارات كوريا انتشارها الحالي ولا فطنت البنوك لكيفية خداع البسطاء بالتمويل (الأثقل)!
قبل رصف شارع الستين الحالي وجدتُ نفسي في طريق يكفي لمسارين، رايح وجايي، وكان شارع (الزلط) عالياً عن الأرض نوعاً ما…وفي منتصفه تراصت السيارات تنتظر شاباً يقود بوكسي مواصلات لم يشأ أن يغامر بالنزول بسيارته المتهالكة ليرفع راكباً ويُنزل آخر، فكان دوماً يقوم بتعطيل الحركة لأغراض الباقي والفكة وسائر أشكال اللجاج…حين كررها مرتين وبدا لي أنه (يعوق الحركة) ترجلتُ وذهبتُ إليه متشحاً بالعجرفة ومدججاً بالصلف الذي يليق بملازم أول خبرته في تطبيق القانون تقارب الأسبوعين. وقفتُ أمام سيارته وأشرتُ للأرض بلا كلام… حاول الشاب استمالتي بالتبسم فما استجبت! نزل الرجل على أيةِ حال وانساب المرور وعدتُ منفرج الأسارير للفارهة السابق وصفها.
ولأن عدل الله، تبارك وتعالى، لا يعبأ بعلامات كتفي، تعطلت سيارتي بعد نصف كيلومتر! وحرنت تماماً…وصدر عنها صوت محاولة (الدوارة) الفاشل المعروف… جنغ جننغنغن دجينق جنيق…ثم تنقطع أنفاس الكربريتر بشخرة معلومة لمن يتذكرها…
إصطفّت خلفي أرتال السيارات، وعلى الأرض طين وأوحال، وقبل أن تكتمل الحيرة جاء الشاب الذي أنزلتُه قبل قليل وقال لي ببرود:
أفتح الكبوت سعادتك…
جاءت مفردة سعادتك بتنغيم يشي بإمكان استبدالها بمفردة (يا غبي) …
فتحت الكبوت فأعمل الرجل فيها يديه الخبيرتين ودارت …
نزلتُ ولساني يلهج بعبارات الشكر وابتسامتي تسبقني…
لكن الرجل تخطى ابتساماتي وعباراتي وعاد لسيارته!
مع السلامة
الطيب عبد الماجد لا أدري من هو هذا المسافر ولكن بالحب والدموع كان الوداع على عتبات المطار …











