
الكهرباء مقطوعة والسبب هو طباعة النقود الورقية
م/ محمد صلاح عصملي :
مدخل أول
هل الكهرباء خدمة أم سلعة؟ هل الكهرباء ضرورة أم حاجة؟
أقول وبالله التوفيق: إن الكهرباء التي ننعم بها في بيوتنا هي عبارة عن محصلة لمجموعة مركبة من السلع والخدمات. وعندما نشتري وحدة كيلوات.ساعة من الكهرباء نكون قد اشترينا سلعة متضمنة لتكاليف الإنتاج (التوليد) وخدمات النقل والتوزيع.
وبالنظر للمقاصد الشرعية نجد أن حصول أفراد المجتمع على هذه الخدمة إنما يقع ضمن الأمور الحاجية (الحاجي: هو الذي يحتاج إليه الناس لليسر والسعة واحتمال مشاق التكليف وأعباء الحياة، وإذا فقد لا يختل نظام حياتهم ولا تعم فيهم الفوضى، ولكن ينالهم الحرج والضيق).
والقاعدة الأصولية المعتبرة: “أن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة” كما قرر الإمام الجويني. وعليه يمكنني القول بأن الكهرباء في حق المجتمع ككل ضرورة (الضروري: هو ما تقوم عليه حياة الناس ولا بد منه لاستقامة مصالحهم، وإذا فقد اختل نظام حياتهم). لكن ليس من الضروري أن تصل هذه الخدمة أو تتوفر لكل فرد من أفراد المجتمع؛ لأنها في حق بعضهم ضروري، وفي حق بعضهم حاجي، وفي حق بعضهم كمالي (الكمالي: هو الذي إذا فقد لا تختل حياة الناس كما إذا فقد الضروري، ولا ينالهم حرج كما لو فقد الحاجي، وإنما تكون حياتهم مُنكَرة).
مدخل ثاني
ماهيّة النقود؟ وما هو دورها؟
إن المعاملات يمكن أن تتم عن طريق المعاوضة المباشرة: سلعة بسلعة، سلعة بخدمة، خدمة بخدمة. ويمكن أن تتم بواسطة النقود. والنقود أصلها سلعة تتحقق فيها شروط خاصة وتؤدي وظائف محددة. فالشروط: أن تكون لها قيمة في ذاتها، قابلة للقياس بسهولة، قابلة للتجزئة، مقبولة على نحو واسع، سهلة الحمل، لا تتلف بسهولة. والوظائف: أن تصلح وسيلة للتبادل، وحدة حسابية، مخزن للقيمة أو وسيلة دفع للمعاملات الآجلة.
ويحصل الإنسان على سلعة نتيجة جهده وعمله، أو عِوضاً عن زمنه وإعمال عقله. ومن ثم يتعاوض مع المجتمع تساخراً.
وقد توصل الإنسان عبر تجربته إلى النقدين: الذهب والفضة، التي تتحقق فيهما شروط العملة ويؤديان وظائفها أفضل أداء.
لكن النقود الورقية (التي هي في الأصل سند قبض وليست عملة في ذاتها) تحولت لعملة مفروضة بقوة القانون، ولا تتحق أهم شروط العملة فيها (القيمة الذاتية) ولا تقوم بكل وظائفها. وإنما أصبحت لعبة في يد الحكومات تطبعها كيف تشاء من غير مقابل ولا عِوض.
*صُلبُ الموضوع*
تقوم معظم الدول باحتكار كامل أو جزئي لقطاع الكهرباء إنتاجاً ونقلاً وتوزيعاً، وعليه تقع على الحكومات تكلفة التمويل، فمن أين تأتي بها؟
إن الخيارات المتاحة أمام أي حكومة محصورة في:
١. عائد بيع المنتجات: خدمة مقابل مال.
٢. ضرائب معلنة: مال يؤخذ من غير عِوض، وينفق حسب البند المخصص في الميزانية العامة للدولة.
٣. ضرائب غير معلنة: عن طريق طباعة النقود الورقية لسد العجز المقدر في الميزانية.
والحاصل أن الوضع القائم في السودان مزيج من ذلك كله، يتحمل المواطن جزء من تكلفة الخدمة (تسعيرة الكهرباء) وتقوم الدولة بتغطية الباقي عن طريق جزء من أموال الضرائب أو طباعة النقود الورقية.
ما المشكلة في ذلك؟
المشكلة أن الدولة عندما تطبع النقود الورقية تُفقدها جزء من قدرتها الشرائية وعندما يتطاول ذلك تفقد قيمتها كليةً.
ما أثر ذلك على قطاع الكهرباء؟
الأثر المباشر هو أن عائد بيع الخدمة ومخصص الضرائب لدعم الكهرباء يفقد قيمته تبعاً لذلك أيضاً ويصبح هنالك عجز جديد في التكلفة الكلية، والنتيجة اختلال في الإنتاج (قد يصحبه عدم رضى للعاملين في القطاع لقلة العائد المادي)؛ يؤدي إلى قلة المعروض وتدني جودة الخدمة وهو ما يظهر في شكل قطوعات متكررة ومتزايدة.
*مَخرج أول*
لماذا لا تقوم الحكومة بزيادة تسعيرة الكهرباء أو زيادة الضريبة المعلنة بدلاً عن طباعة النقود المفرطة؟
قيل: “ليس العاقل من يختار الخير من الشر، وإنما العاقل من يختار خير الخيرين وخير الشرين”. أقول:
خير الشرين تمويل دعم الكهرباء من الضرائب المعلنة التي تقدرها الحكومة ويجيزها البرلمان المنتخب.
وخير الخيرين هو تمويل الكهرباء عن طريق البيع: خدمة مقابل مال، وفك احتكار الدولة في جانب الإنتاج ليصبح متاحاً للتنافس بين منتجين مستقلين.
*مخرج ثاني*
قد لا يقتنع الناس بهذا الكلام النظري، لكن التعلم العملي ممكن أيضاً. فالخيار الواقعي أصبح بين أمرين:
إما كهرباء شبه مجانية وقطوعات مستمرة ومتطاولة.
أو كهرباء بسعر التكلفة الحقيقية الذي يجعلها متوفرة ومستقرة.
هذا الكلام ينطبق على جميع السلع والخدمات المحتكرة بواسطة الدولة. التي لا بد من تحويلها للمجتمع وتخضع لقانون السوق (العرض والطلب) .
مع السلامة
الطيب عبد الماجد لا أدري من هو هذا المسافر ولكن بالحب والدموع كان الوداع على عتبات المطار …











