‫الرئيسية‬ رأي هل ضاق حمدوك بالثورة أم هي ضاقت به؟
رأي - يناير 20, 2021

هل ضاق حمدوك بالثورة أم هي ضاقت به؟

جعفر عباس :

لا يحتاج المرء الى كثير ذكاء كي يدرك أن قرار رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك بتجميد المناهج المدرسية الجديدة ضربة لازب، يهدف الى حمل وزير التربية البروفسر محمد الأمين التوم على الاستقالة، ولو كان الثمن إلغاء عام دراسي كامل، بدلا من ان يضطر الى إقالته كما فعل مع وزير الصحة الأسبق أكرم على التوم، والقاسم المشترك بين الرجلين أنهما واكبا الثورة في مراحلها الجنينية، وكان لهما سهم معلوم في جهود مقاومة وتعرية نظام 30 يونيو 1989 منذ يومه الأول، وتم اختيارهما للمنصبين بعد سقوط النظام، لأنهما مؤهلان لهما تأهيلا عاليا، ولأنهما ثوريان حقيقيان ولم يقفزا الى سفينة ديسمبر 2018 بعد ان اقتربت من الشاطئ المنشود او بلغته، كما هو حال بعض أعضاء حكومة حمدوك الذين لسان حالهم “في جاه الملوك نلوك”

وربما لجأ حمدوك الى حيلة حملِ وزير التربية على الاستقالة، لأنه تقرر اسناد الوزارة الى شخص من شركاء سلام جوبا، وبذلك يتفادى شبهة استهداف الوزراء ذوي أوراق الاعتماد الثورية، ولكن جانبه التوفيق تماما في عندما أتى القرار الملتوي بُعيد اجتماع مع نفر معظمهم متضررون من ثورة ديسمبر، لأنهم كانوا حداة وسدنة النظام البائد، بل إن كبيرهم الذي قاد حملة الهجوم على المناهج المدرسية الجديدة، ظل خلال فعاليات الثورة يندد بالمواكب المطالبة بإسقاط النظام، ويقول ان سلميتها زعم كاذب ويضيف “لم يعرف السودان طوال تاريخه مظاهرة سلمية لأن جميع المظاهرات تنتهي بأعمال شغب”، وكان ذلك في وقت يمارس فيه كلاب جهاز الأمن العلني والسري حصد الأرواح علنا، ولكن الله لم يفتح على الرجل بدعاء على أرواح الضحايا، دعك من استنكار اطلاق النار على شخص كل سلاحه حنجرته، رغم علو صراخه في المنابر: الله الله الله مستنكرا “الخروج على الحاكم” (يذكرني ذلك بما كتبه الأستاذ عثمان ميرغني في عام 2011 تحت عنوان “الشعب يريد تغيير الإمام” عن الخطباء الذين لا يثقون في كفاءة مكبرات الصوت التي تنقل كلامهم الى المستمعين، فيهدرون ويزلزلون الجدران خاصة إذا تعلق الأمر بالوعيد والتهديد)

لو تروى حمدوك قليلا لربما قال في بيانه عن المناهج إنها ستخضع للمراجعة والتنقيح، ولو كان مواكبا للجدل حول المناهج لانتبه الى ان وزير التربية اصدر قرارا بمراجعة منهج التاريخ على وجه التحديد، بوصفه المنهج الأكثر إثارة للجدل، وكان ذلك قبل الفرمان الحمدوكي بيومين، ولكن التلهف على استدراج الوزير الى الاستقالة جعله يتخذ القرار الخطأ مستندا الى المرجعية الخطأ، ولم يعنِه كثيرا أن ملايين كثيرة انفقت على طباعة ملايين الكتب المدرسية، معظمها جاءت من جيوب مغتربين تدافعوا لدعم التعليم عبر منظمة “سيدسو”، ومبادرة دعم الكتاب المدرسي، ومن أسف أن حمدوك أطاح بالمناهج والمغتربون مستبشرون بنجاح وزارة التربية في فتح حساب بالعملات الحرة لدى بنك السودان يمكنهم من تقديم مساهماتهم لدعم التعليم دون حاجة الى وساطة سماسرة العملات، وكان ذلك بعد ان ظلت وزارة التربية تستجدي وزارة المالية- بلا طائل- طوال أربعة أشهر، لفتح حساب لدعم التعليم يغذيه المغتربون في فرع بنك النيلين في الإمارات

ظهور حمدوك “بالوكالة”

ثم كشفت الضجة المثارة حول المناهج وتلك التي أثيرت حول قرار حمدوك الخاص بها عما أسماه البعض بحكومة الظل في مكتب حمدوك، ومن قبل قال وزير الطاقة والتعدين المقال السيد عادل إبراهيم ان مستشارا لحمدوك ظل يتدخل في أمور الوزارة، وان هذا المستشار هو الذي أقاله، ثم كان ما كان من أمر موظف ذي مسمى رنان في مكتب حمدوك يدلي بدلوه في أمر المناهج، بينما حمدوك غائب عن البلاد، ولكن متخذا قرارا بعدم إمكان رجوع مدير المناهج المستقيل د. عمر القراي الى منصبه، وذلك بعد ان كال للقراي بالربع الكبير، ثم دخل المستشار الإعلامي لحمدوك على الخط بنفس النهج، وهكذا، ونحن لا نكاد نفيق من ظاهرة العميد الطاهر أبو هاجة الذي صار مستشارا إعلاميا للفريق أول البرهان، ولكن بصفته القائد العام للجيش، فتمدد في مجالات السياسة والحكم والتعليم والإدارة، وها هو طاقم الاسناد في مكتب حمدوك يتمدد في المجال التنفيذي

ما يدعم شبهة حكومة الظل تلك هو ان القرار الخاص بتجميد المناهج صدر باسم “إعلام مجلس الوزراء”، بينما هو صادر عن مكتب حمدوك “وحده” ولم يتم اتخاذه خلال اجتماع للمجلس، مما يذكرنا بقرار التطبيع مع إسرائيل الذي لم يسمع به الوزراء إلا من تلفزيون سي ان ان وتلفزيون تل ابيب وصحف هآرتس وجيروسالم بوست، لأنه خضع للطبخ في دائرة صغيرة مغلقة كان القرار الحاسم فيها بيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليس حبا في إسرائيل او السودان ولكن طمعا في سند اللوبي الصهيوني الأمريكي له في انتخابات الرئاسة في نوفمبر الماضي

وظل حمدوك يردد أن شطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب لن يكون بمقايضته بتطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل، “لأنهما مساران منفصلان”، والبت في أمر التطبيع متروك للمجلس التشريعي”، ثم جاء وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين للخرطوم قبل أيام فإذا بوزير العدل السوداني يوقع على وثيقة تقضي حسب عنوانها بالتعايش بين الديانات الإبراهيمية بينما متن الوثيقة يتحدث عن التعايش السلمي بين إسرائيل وجيرانها العرب، ومصطلح الابراهيمية هذا غير متداول إلا في الدول العربية التي قامت بالتطبيع مع إسرائيل او تعتزم التطبيع معها، وتم طرح المصطلح في صفقة القرن التي أوكل ترامب امرها الى صهره جاريد كوشنر، في سياق جر الدول العربية الى حلبة الصلح مع إسرائيل، ونفض أيديها عن القضية الفلسطينية، وهكذا فإن تطبيع السودان للعلاقات مع اسرائيل يمضي في مسار تصاعدي لا كلمة لمجلس الوزراء او المجلس التشريعي الذي ما زال في رحم الغيب فيه

ومعلوم أن حكومة حمدوك نعمت – على الأقل في شهورها الأولى – بسند شعبي لم تنعم به حكومة سودانية قبلها، ومن المفترض ان تلك الحكومة نتاج ثورة ديسمبر الشعبية وملزمة بتحقيق أهدافها، ولكن معلوم أيضا أنه صار هناك بين الحكومة والقوى التي أشعلت الثورة واسقطت نظام عمر البشير برزخ تزيده حكومة حمدوك عمقا وطولا وعرضا، ربما بحسبان أن جذوة الثورة خبت حتى صار بريقها باهتا، وقد يعزى ذلك الى أنه لم يحدث قط أن حمدوك خاطب الشعب لتبيان حقيقة الأوضاع في البلاد، ليس كما يفعل القادة الشعبويون بالشحن العاطفي ولكن بلغة الأرقام والأسانيد، ولكن أن يتم إصدار قرارات شديدة القسوة على المواطنين بليل، بما ينقض الوعود المبذولة من الحكومة كرفع أسعار سلع استراتيجية وإصدار ميزانية العام الجديد بما يخالف التوافق بين الحكومة والأطراف التي تمت دعوتها لمناقشة بنودها، فهذا لا يشي بأي قدر من الشفافية دعك من “الثورية”، وقد كانت كافة مخاطبات حمدوك العامة بمناسبات وطنية يقتصر فيها الحديث على المناسبة المعنية، وعليه فقد اتسع الخرق بين الحكومة وقوى الثورة على الراتق

علامات استفهام عن العلاقة مع العسكر وقحت

ولا شك في أن حكومة حمدوك تطّلع بأعباء جسام في ظروف قلة الحيلة، ولكنها تشجع الناس على الانفضاض عنها لأنها لا تخاطبهم في امر تلك الأعباء، ولا يكفي ان حمدوك يرتب للقاءات صحيفة بين الحين والآخر، فمهما طال أمد اللقاء التلفزيوني فإنه لا يكفي لمنح كل موضوع ما يستحقه من طرح وإبانة، وهكذا لا نعرف موقف حكومة حمدوك من الكثير من القضايا المهمة- مثلا لماذا لا نعرف موقف الحكومة الرسمي من مجريات الأمور على حدودنا الشرقية، خاصة بعد ان أعلن جيشنا استرداد كامل أراضينا التي كانت تتعرض للانتهاك، وهلل كل ذي حس وطني سليم لذلك، ولكننا لا نعرف لماذا يستمر التصعيد الكلامي من القيادات العسكرية بلغة أقرب الى “المديدة حرقتني” بينما لا تأتي لغة عدائية من جانب إثيوبيا؟! هل نحن على وشك الدخول في مواجهة عسكرية مع اثيوبيا؟ هل بنا طاقة بحرب؟ لماذا الإصرار على استفزاز إثيوبيا بينما لا نسمع منها سوى لغة دبلوماسية ناعمة؟ ولماذا الإسفاف في شحن الناس لمعركة مع إثيوبيا وصولا الى ابتذال الزي العسكري بإلباسه لندى القلعة وحنان بلو ثم يتهافت العساكر في الشرق لالتقاط الصور معهن بل واشراكهن في طابور عسكري؟ ولماذا يسافر عضو مجلس السيادة شمس الدين كباشي الى القاهرة للقاء الرئيس المصري؟ هل يملك صلاحية مناقشة رئيس أجنبي في أمور كالأوضاع على الحدود ومفاوضات سد النهضة؟ وهل يعلم حمدوك لماذا يسافر عسكر مجلس السيادة (وليس- أبداً- المدنيون في المجلس) الى دول الجوار في زيارات متكررة، وماذا يتم عند لقائهم بقادة تلك الدول وهم غير ملزمين بتقديم تقارير الى مجلس الوزراء بعد عودتهم الى البلاد؟ بل إن حمدوك لم يجب قط على السؤال: لماذا سمح بانفراد العسكر بملف المفاوضات مع حركات الكفاح المسلح ولا لماذا تم الالتفاف على قرار تكوين مفوضية لسلام وتشكيل مجلس أعلى للسلام غير منصوص عليه في أية وثيقة؟

والعسكر لا يتحرجون في الإفادة بأنهم كوم، ومدنيو حكومة حمدوك كوم آخر، بل يكيلون الاتهام للمدنيين بالعجز والفشل، وحمدوك يحدثنا المرة تلو الأخرى عن تناغم بين العسكر والمدنيين، وشكا حمدوك من ان العسكر يحتكرون 82% من موارد الدولة الاقتصادية ولما قال البرهان ان حكومة حمدوك تقاعست عن تسلم العديد من الشركات المملوكة للمؤسستين العسكرية والأمنية الى جانب 100 مليون دولار من “قروش أولادنا في اليمن”، لم يحِر حمدوك جوابا

ومن الواضح ان حكومة حمدوك تتعامل مع قوى الحرية والتغيير (قحت) بوصفها الحاضنة للحكومة بمبدأ “شاوروهم وخالفوهم”، ولها بعض الحق في ذلك فقد هان أمر قحت حتى على بعض قياداتها، ولم تعد حاضنة إلا لطموح بعض مكوناتها، وبعد ان كانت قائدة للثورة أصبحت عبئا عليها، فقد أبلت بلاء سيئا في مفاوضات جوبا مع حركات الكفاح المسلح، حيث كانت تمومة جرتق ليس إلا، ومنذ أشهر وبعض مكوناتها تهرول لعقد تحالفات خارج إطارها أحيانا مع قوى جاهدت لتفكيكها

بوادر الطلاق والفراق بغير معروف

ولا أحسب أن الجماهير التي رفعت لواء الثورة وما تزال تقبض على جمراتها تشكك في وطنية حمدوك وطاقمه الوزاري، بل احسب انها تشهد له بأنه أهلٌ لأجر المجتهد الذي لم يُصِبْ، ولكن مع تلك الجماهير كل الحق في أن تشك في موثوقية حكومة حمدوك للوفاء بأي من عهودها او تنزيل أي شعارات الثورة على الأرض، فحتى عديد اللجان التي شكلتها الحكومة لم تخرج علينا واحدة منها بنتيجة ما، ولم يعد لشعار “سنعبر وننتصر” أي قدر من الصدقية والناس ترى كيف تتقدم البلاد الى الخلف في كل المضامير، وكيف يتم خنق الثورة اقتصاديا وأمنيا من قبل جهات معلومة، دون ان تقوم الحكومة بتحرك مضاد

وهناك اليوم دعوات لمسيرات كبرى، والشعارات المقترحة لها نقيض “شكرا حمدوك”، وتلك ارهاصات الطلاق بين قوى الثورة والحكومة، فقد صبرت القوى التي أشعلت الثورة على ظروف العيش التي صارت ضنكا وعنتا وشقاء إدراكا منها ان الحكومة ورثت خرابا كاملا في كل الأصعدة ولكن ان تتنصل الحكومة التي هي نتاج الثورة من شعارات وأهداف الثورة ولا تقيم وزنا لتلك القوى الحارسة لتلك الشعارات والأهداف، بل لا يفتح الله على حمدوك ولو بكلمة لتطييب خواطر أسر ورفاق شهداء الثورة، في ظل نيابة عامة كسيحة وقضاء شبه مشلول فتلك كبيرة لن يسكت الثوار عليها

وفي ضوء القرائن بأن حكومة حمدوك ضاقت بالثورة وتتعلل بالبراغماتية كي تتنصل من وعودها (والبراغماتية مطلوبة في الحكم الراشد ولكنها قد تنقلب على حاديها كما فعلت مع ميخائيل غورباتشوف الذي استعصهم بها لعلاج علل الاتحاد السوفييتي فكان ان تفككت الدولة وآلت مقاليد الأمور فيها الى الغوغائي بوريس يلتسين)، في ضوء تلك القرائن فإن الكتابة على الجدار تفيد بأن قوى الثورة أيضا ضاقت بحكومة حمدوك، وضيق على ضيق قد يحشر البلاد في مضيق

‫شاهد أيضًا‬

مع السلامة

الطيب عبد الماجد لا أدري من هو هذا المسافر ولكن بالحب والدموع كان الوداع على عتبات المطار …