
هواء طلق.. المستجيرون من دولة المواطنة بداعشية الصادق المهدي
فتحي البحيري
تحدث الصادق المهدي في خطبة عيده الانفرادية الأخيرة كثيرا ولكنه لم يتحدث ابدا عن هموم الوطن والمواطن. ان وجود متطرفين مغالين في الدين ووجود ملحدين أمر جدير بالنقاش والتأمل والتنظير ولكن أيا من الأمرين لا يجب أن ينقص من حقوق المواطنة فضلا عن أن يلغيها. ولا يشكل الملحد أو المغالي خطرا على الوطن والمواطن بمحض ما يعتقده.. اللهم الا اذا دفعه هذا الاعتقاد إلى ارتكاب جرائم تمس المواطنين الآخرين وتهدد أمنهم ومصالحهم وتتعارض مع القوانين الموضوعية المنصوص عليها.
إن الخطر على مصالح الوطن العليا لن يجيئ من هذين بقدر ما يجيئ من الذين يريدون التكسب ونيل الحظوة السياسية والاجتماعية والتوصل لامتيازات على الآخرين بسبب المعتقدات والعواطف الدينية والمذهبية وهذا هو أس البلاء الان.
ظل الصادق يطالب دوما بامتيازات نتيجة لانتسابه لرجل ادعى دعوى دينية غامضة قبل أكثر من مائة وأربعين عاما. فطلب إخلاء دائرة برلمانية له حال بلوغه الثلاثين وطلب إخلاء مقعد رئاسة الحكومة نفسها له لأن لديه خطة لحل مشاكل السودان جميعها في بضعة أشهر والتفرغ بعدها لحل مشاكل العالمين العربي والأفريقي ثم العالم أجمع في سنتين أو ثلاثة. وبطريقة أو بأخرى تمكن من التوهط في سدة الحكم الديمقراطي آنذاك وكان سببا أساسيا في إفشال مؤتمر الدائرة المستديرة لأنه أصر مع صديقه وصهره الداعشي الآخر حسن الترابي على أن يوافق الجنوبيون على دستور يمنع غير المسلمين صراحة ونصا من تولي منصب رئيس الدولة ولا اي من نوابه الثلاثة. فكان أن قام الجنوبيون ‘فوق’ وتتالت المآسي والحروب وإراقة الدم السوداني العزيز إلى أن انتهى المطاف بخسران الوطن لجزء عزيز من مواطنيه وأرضه وموارده في العام الحادي عشر بعد الألفين.
يطالب الذي يكتب هذا كل من تدعوه خفته ولا مبدئته لتكذيب هذه الوقائع أو إيهام آخرين بعدم صحتها أو الطعن في نوايا إيرادها هاهنا بالرجوع إلى مصادرها الموثوقة المبذولة لكل باحث منصف سوى عن محض الحقيقة وبالرجوع إلى محض دينه وضميره ووطنيته لو كان يملك منها مقاديرا تؤهله لقبول الحقيقة وان تعارضت مع اوهامه واحلامه الحزبية العذبة.
وصف الصادق بالداعشية ليس تجنيا ولا مغالاة.. فكل انتقاص من حقوق الحياة والوجود والمساواة لأي مواطن بسبب الدين هو محض داعشية. والإصرار المبكر للفتى الثلاثيني المستعجل على إصلاح العالم على أن يقر غير المسلمين بعدم مساواتهم في الحقوق السياسية فيما يتعلق بمنصب الرئيس ونوابه.. ظهر من جديد بعد ستين عاما قضاها في الفشل والاستهبال المتواصل في حديثه عن الإلحاد كأنه جريمة أو مرض نفسي.. وعن تحول بعض أفراد القبائل المسلمة في السودان إلى المسيحية كأنه تمرد خطير لا يجب أن يحدث قط… في حين يتطلع هذا الداعشي المستدام لأن يكون قائدا حكيما لثورة شعارها الأساسي الصادق دون أي مواربة حرية سلام وعدالة… وكيف تكون الحرية حرية إذا لم تشمل أكثر الحريات اساسيةً وهي الحريات الدينية؟ وكيف تكون العدالة عدالة إذا لم يكن للتحول من المسيحية للإسلام نفس حكم التحول من الإسلام للمسيحية؟ بل كيف يعم السلام وانت لا تزال تصر أن تعطى مذهبا دينيا وضعا مهيمنا ومميزا وحاكما على بقية الأديان والمذاهب للدرجة التي تريد ضبط إعدادات الثورة نفسها وفق هرطقات ذلك المذهب؟
كل ما سبق كان مقدمة لا بد منها لمخاطبة النخبة السياسية التي لا زالت تتلكأ في فهم واستيعاب ملامح الثورة التي تعتقد أن بوسعها امتطائها وان يفهموا أن الجسم السياسي لهذه الثورة إذا لم يسارع الان قبل الغد في استيعاب سائر ابعاضه الافتراضية – وبدون مفاوضات حتى – والمتمثلة في جماهير الحركات المسلحة جميعها جبريل مناوي الحلو عبدالواحد عقار وغيرها ولكي تكون هذه الجماهير جزءا من الحاضنة السياسية للثورة وحكومتها يجب إعطاء قياداتها السياسية ضمانات كافية لأن يكونوا في الخرطوم الان ولا نعتقد أن هذه الضمانات – مهما كانت تفاصيلها – تتعدى الاعتراف الواجب أصلا بأن دولة الثورة وحكومتها ترفض أي مساس كائنا ما كان بمبدأ المواطنة المتساوية بإطلاق في الحقوق والواجبات وأن الدولة تقف بمسافة واحدة من كل المواطنين غض النظر عما إذا كانوا مسلمين أو ملحدين أو مسيحيين أو أرواحيين وأنهم مدعوون جميعا للإسهام في حل مشاكل الوطن وأزماته والتي ليست لها علاقة في جوهرها بهذه المعتقدات والتي تسبب في معظمها أولئك المصرون على التكسب بالدعاوى والادعاءات والعواطف المذهبية والدينية على حساب حق السودانيين المقدس وحده في الوجود والحياة والحرية والرفاهية.
وإذا لم يكن الحلو وعبدالواحد وجبريل ومناوي وعقار في كابينة قيادة الثورة الان الان فسيكون فيها بعد قليل الجزولي والصادق وعبد الحي يوسف وانس عمر.. ومن لم يسرع لأن تكون الأولى.. فلا ببكين غدا عندما تصبح الثانية.
مع السلامة
الطيب عبد الماجد لا أدري من هو هذا المسافر ولكن بالحب والدموع كان الوداع على عتبات المطار …











