‫الرئيسية‬ رأي مراحل تطوّر القاشيد …. واحتفالات (أوّل جديد)
رأي - يونيو 15, 2020

مراحل تطوّر القاشيد …. واحتفالات (أوّل جديد)

الطيب بشير

يُعتبر ختان الأولاد بالسودان حدثاً سعيداً، يسمونه (أوّل جديد)، وفي البال أغنية العريس (الليلة يوم جديدو)، وتختلف مظاهر الحفاوة بالعريس الطفل والأهازيج ومظاهر الإحتفال من منطقة لأخرى في هذا البلد المنسوب للون أهله، والذي تتعايش فيه شعوب مختلفة، نأمل أن يأتي يوم ويدرك الساسة أن التباين الثقافي الذي ننعم به في السودان إنما هو مصدر ثراء وقوة، وليس سبباً للإحتراب والنبذ والإستقطاب.
يبدو العريس الطفل سعيداً بالملابس الجديدة والحناء والحريرة والضريرة واجتماع الأهل، ويكون مشغولاً قبل العملية بالتهويل الذي يسمعه عن (صعوبة لحظات يفك البنج) … هنا يتـفـتــّـق الوجدان الشعبي عن خدعة مجرّبة، وهي (الضحاكات)… يمتليء جيب جلبابه الجديد وتحت مخدته بالجنيهات والخمسات التي (يواجبه) بها الأهل والأقرباء والجيران، ويبدو ثرياً جداً بالمقارنة مع سابق عهده قبل (الطهور)…. وهنا يتنازل أبوه عن اسمه وعن نسبه الشريف فيصبح الولد (ود الطهور) … وتزيد درجات التدليل بحسب حال الأسرة ونمط حياتها وعدد الأبناء …
أما (القاشيد) المذكور بالعنوان فهو عبارة عن تحلية بلدية مصنوعة من مزج الحليب بالدقيق السكر وبعض النكهات، ربما دخل فيها الكاسترد، وهو في الطعم أقرب للمهلـّـبيـّـة المعروفة، ولحدٍ ما طعمه ممكن يكون قريب من مديدة الحِلبة بدون (المرار)….. ويقوم بصنعها كبار صغار الأولاد، وبتتعمل في حلة ضخمة حتى يضمن كل شافع قالباً محترماً، ويكون العيال متحلـّـقين حول النار بانتظار نصيبهم من القاشيد، وتقتضي (العادة) أن يدفع ثمن الحليب والدقيق والسكر أطفال الفريق بالشيرينق وتكون هذه مساهمتهم في طهور صاحبهم ويستمتعوا بالقاشيد ويتضاحكون حين يرون الكبار يأخذون منه نصيباً مفروضا….
قال الجيل الذي سبقنا في الدنيا أن (الشيرينق) في زمنهم كان (همبتة) محضة!! أي والله، كيف؟؟..كانوا ينتظروا غنم الفريق وهن راجعات نهاية (الدوام) ويغافلوا الراعي ويحلبوا من كل غنماية نصيباً مسروقاً في زجاجة البيرة الفارغة، والتي كانت منتشرة جداً، وبهذه الطريقة يجمعون الحليب الكافي …. طبعاً لازم يكون الشافع الحلاّب حريفاً وسغمبوتياً؛ يندس وسط الغنم ويتحرك ويحلب ويستطيع الجري والإفلات لو طارده الراعي…. ويقوم بملء الزجاجة من أكثر من غنماية حتى لا يتضرر أهل الغنم، وتتجمع الزجاجات بهذه الهمبتة المقبولة اجتماعياً… طيب…هذا الحليب فماذا عن السكر والدقيق؟؟ لا تقلق عزيز القاريء فللهمبتة وجوه أخرى…. ينتشر همباتة آخرون في الحي فيأخذون أحذية الرجال حين يبدؤون الصلاة، في الجامع أو الزاوية أو أي برش، ويتم تجميع الأحذية كرهائن في بيت الطهور حتى يأتي صاحبها ويفتديها وهذه إسمها (العادة)…
تجد المصلين أول ما انتبهوا لاختفاء أحذيتهم يتساءلون: البلد فيها طهور الليلة؟ … الطريف أن صاحب الحذاء يقع عليه عبءُ (التصرّف) في الوصول لبيت الطهور، حافياً أومستلفاً لحذاء من بيت قريب، ويجوز له السبُ واللعن، لكنه يعلم أنه سيدفع بالتي هي أحسن فور وصوله بيت الطهور!!… يدفع ويأخذ حذاءه راضياً فهو بالضرورة قد همبت حذاء غيره يوماً ليصنع القاشيد….

‫شاهد أيضًا‬

مع السلامة

الطيب عبد الماجد لا أدري من هو هذا المسافر ولكن بالحب والدموع كان الوداع على عتبات المطار …