‫الرئيسية‬ رأي إزالة التمكين أم مواصلة التمكين؟
رأي - أغسطس 15, 2020

إزالة التمكين أم مواصلة التمكين؟

مالك الجاك

قامت الثورة على أكتاف وأرواح الشباب والنساء وكل المقهورين من نظام الحكم المباد وتفاءل الجميع بعهد يستطيع في الإنسان السوداني أن يمارس الأمل في وضع أفضل من الناحية المعيشية السياسية ولكن تأخرت عجلة التنمية و توقف دولاب العمل من الدوران.

ظلت القوى العاملة والغير عاملة نتيجة سياسات النظام المباد ترواح مكانها ومأساتها في إيجاد الفرص أو العمل وظلت مستويات البطالة والغبن في مستوياتها أو أسوأ حالاً. الحكومة الانتقالية من جانبها ورثت تركة ثقيلة وما أن تلمس جرحاً حتى ينزف آخر بصورة يصعب فيها التحكم بمنع المزيد من الفواجع.

تعددت المبادرات الحكومية و الشعبية على أمل أن يتم الآتي:

1- استعدال عجلة الاقتصاد

2- تخفيف أعباء المعيشة

3- خلق فرص وظيفية للقوى العاملة ودعم القطاعات الأقل دخلاً

4- الارتقاء بمستوى المعيشة والخدمات

5- تحقيق مستويات التمثيل السياسي المناسب

6- تحقيق مستويات الحريات المطلوبة

وغيرها من الآمال الجماهيرية التي تنتج عن التطور التلقائي عند تثبيت هذه المطالبات وتحقيقها مما يساهم في إدامة التطور و التفاعل مع المجتمع المحيط والعالمي بما يخدم مصالح الجمهور. و لكن بعد مضي عام على تكوين الفترة الانتقالية يبدو أن البوصلة لا تزال مفقودة. فالحكومة الانتقالية لم يكن عندها من البرامج أو أسس التقييم والمراقبة التي يمكن أن تساهم في تعديل عجلة القيادة للإتجاه المرغوب. فمثلاً دعا رئيس الوزراء لحملة شعبية القصد منها دعم الحكومة الانتقالية مادياً (أو هكذا بدى الأمر). تدافع السودانيون بالقليل أو الكثير ومارسوا مبدأ الإيثار في التبرع للحملة و التي أطلق عليها شعار “القومة للوطن”. لا أدري كم جمعت هذه الحملة إلى الآن وهل توقفت أم أن حسابها لا يزال يعمل. بغض النظر عن أهداف رئيس الوزراء، فإن الشعب له أهداف يجب وضعها في الاعتبار. الشعب دفع ويدفع من أجل دعم الحكومة الانتقالية وذلك لثقتهم في أن الدولة ستخدم مصالحهم التي تمت الإشارة إليها أعلاه و لكن لم ومن المحتمل (لن) يعرف الجمهور فيما ذهبت هذه الأموال مهما صغرت أو كبرت.

من ناحية أخرى، لا يزال أنصار النظام البائد وداعميه يتحكمون في الكثير من القطاعات التي تمس الجمهور وتعطل إمكانية تجاوز الفترة الانتقالية بسلام. فالوضع الأمني والمؤسسات الأمنية من جيش وشرطة ومليشيات تم تدجينها أو صناعتها في عهد النظام المباد ولا تزال تعمل بنفس العقلية والقوانين. لا يزال الاقتصاد يدار بنفس الطريقة القديمة مما يعطي لأنصار النظام المباد اليد العليا بسبب أن قوانين العمل والإجراءات الاقتصادية التي أقرت وإجيزت و كتبت أصلاً من أجل خدمة المؤتمر الوطني وبصورة أشمل التحالفات الإسلامية المحلية والإقليمية والدولية. مجموع القوانين واللوائح التي تتحكم بالاقتصاد مثل قوانين البنك المركزي وعمل شركات الاتصالات وعموم القطاع الخدمي والإنتاجي لم تكتب إلا لخدمة أهداف محددة مرتبطة باستراتيجية النظام المباد ولذلك نرى أنها تعمل إلى الآن و نتائجها بائنة لمن أراد النظر. المواصلة في تبنيها و العمل بها هو أيضاً امتداد لنفس الاستراتيجية و التي حتما ستؤخر عملية التغيير وتواصل عملية التمكين سيئة الذكر.

كلنا نعلم ونتذكر حملات “لا لرفع الدعم عن الدواء” ونتذكر أن الشرارات الأولى لعملية التغيير كانت تحتوي على رفض رفع الدعم عن المحروقات والخبز فالوضع لم يكن يحتمل أن ترفع الدولة المبادة يدها عن المعيشة غالبية الشعب والقوى المنتجة تعاني البطالة وضيق العيش فيما يظل أفرادها ينعمون بالحياة الرخية وبمزيد من تحصيل المال من جيوب المعدمين لتنفيذ برامجهم السياسية ونزواتهم الشخصية. خرج الشعب وهو يعي أن لو انحنت الحكومة في ذلك الوقت للمطالب الجماهيرية فإنما هي تمارس الخداع بأن تدير رأسها للعاصفة وستعود مرة أخرى بنفس الإجراءات بطريقة أو بأخرى فارتفع سقف مطالب الشارع بإزالة الحكومة ونظامها. وعي الشعب أن لا فائدة من ذهاب الحكومة فقط ولكن لابد لنظامها من الذهاب أيضاً كمبدأ متواصل منذ أن عرفوا سوءاتهم أبان الحقب الديمقراطية والعسكرية التي حكمت السودان في الماضي. الشارع يعرف بأن السلطة هي من أهم الأدوات التي تقدم التسهيلات لأفرادها وتخيط القوانين من أجل لتنفيذ سياسات التنظيم. من الخطأ أن نظن أن نظاماً متجذراً طيلة ثلاثين عاماً يذهب بسهولة و لذلك عمد أنصار التنظيم على القفز إلى ساحات الاعتصامات و على رأس النظام السياسي الوريث بما يسمى بالوثيقة الدستورية. التاريخ يعرف أن من تظاهر بالوقوف مع الثورة منهم ليس هم إلا أعضاء وكوادر وصناعة أنتجها النظام البائد لحماية خططه الطويلة الأجل وكما يقولون (لحم أكتافهم من خيره) و هنا لا يشك أحد إلا من تغابى عن رؤية الواقع أننا لا نزال تحت رحمة النظام السابق بكل قوانينه. قد تكون هناك استثناءات على مستوى بعض الكيانات أو الأفراد و لكن ليس في مقدور هؤلاء التأثير الفعال على خط الأداء الحكومي لا سيما و أن الطريقة الذكية التي مارستها القوى المصنوعة و المدجنة تمت بها إدارة عملية الدخول في فترة انتقالية لا تمت بصلة لمطالب الثورة، نقول بلا تحفظ أنها قد سرقت الثورة وأرجعت الوضع الاقتصادي والسياسي على الأخص لمستوى قريب من مستوى انفجار الشارع في ديسمبر 2018.

مواصلة سياسات النظام السابق و إدارة البلاد بما بشبه رزق اليوم باليوم و أن يظل أنصار النظام المباد يتحكمون بالمؤسسات والمصالح الحيوية العامة والخاصة ليس صدفة و عملية إزالة التمكين لا ترقى إلى مستوى إزالة النظام و إنما تظهر كجرعات تخديرية للشارع.

سنتبع في مقال آخر عن اقتراحات قد تساهم في انتشال الوضع الحالي من أنياب و حلاقيم ظلت بتلع خيرات البلد من أجل تنفيذ برامجها التي لا تمت بصلة للواقع المعاش

‫شاهد أيضًا‬

بنك السودان ما زال تحت سيطرة الكيزان

د. احمد عبد الله الحسن* : هل فقدت الدولة اتزانها ما لكم كيف تحكمون طالعت بالأمس قرارا صادر…