‫الرئيسية‬ رأي شركات الجيش
رأي - أغسطس 25, 2020

شركات الجيش

عبدالله ميرغني

الجذور التاريخية لدخول الجيش السوداني في الأعمال التجارية من إستيراد وتصدير وتجارة داخلية وأعمال صيرفة وتعدين وصناعة منتجات ذات طبيعة مدنية كانت بداياتها في العام 1970 تحت إشراف وتوجيه الجنرال جعفر نميري عليه الرحمة “حكومة عسكرية” حينما إصدر قرار بمصادرة و تاميم بعض الشركات والبنوك احتفالاً بمرور عام على انقلابه (خطوة كارثية) .
وقتها كانت هنالك شركات مزدهرة مثل شركة ميتشل كوتس وسودان ميركنتايل و وجلاتلي هانكلي و عديد من الشركات الأخرى المملوكة لسودانين ذوي الاصول الاجنبية ( اوربين وبعض اليهود ) ، وكانت تلك الشركات مزدهرة جداً وتعمل في نشاطات عديدة متنوعة وهامة ولديها فروع في كل السودان، و بحجة و دعوى التأميم كخطوة أولى لمشروع مايو الاشتراكي و تحرير الاقتصاد السوداني من السيطرة الأجنبية ( قرار كارثي أدى تدريجياً إلى تدهور الإقتصاد السوداني) قام الجنرال جعفر نميري رئيس مجلس ثورة مايو بكل رعونة على تأميم ومصادرة هذه الشركات لصالح الدولة وقام بمنح بعض هذه الشركات للجيش لتكون منها مجموعة شركة كوبت ريد ، ومن هنا بدأت مسيرة التغول العسكري المستمر والحثيث على الإقتصاد بموارد الدولة و لكنه أبقى على إدارتها المدنية مع إعطاء مديرها العام المدني رتبة جنرال ..
و عندما أتى إنقلاب الجبهة الإسلامية 1989 قام بتوسيع التغول على النشاط الاقتصادي والتجاري وذلك بالاستيلاء على كثير من المؤسسات والموارد الوطنية وإنشاء مؤسسات أخرى عديدة جداً إنتهت بمسمى منظومة الصناعات الدفاعية والتي دخلت في تصدير الأسلحة، وتوسعوا بعد ذلك في الاستيراد والتصدير والتجارة الداخلية والتعدين والتصنيع المدني و المسالخ وأعمال الصيرفة بإنشاء بنوك مثل بنك أم درمان الوطني والصناعات الثقيلة والتعدين والطاقة ، و على نمط توغل القوات المسلحة قامت حذو الحافر على الحافر قوات نظامية أخرى كجهاز الأمن والشرطة بتغول مماثل في شتئ الأنشطة الإقتصادية كالطاقة والتعدين والصيرفة ونشاطات أخرى .
بهذا يتضح جلياً لكل صاحب عقل وبصيرة أن الجيش لا يملك أي رأس مال واصل رأس المال هو المال العام، اما الادعاء بان اصل رأس المال جاء نتيجة لتراكم الاستقطاعات لصندوق الضمان الاجتماعي ماهي إلا قولاً يجافي الحق والمنطق على أساس إذا افترضنا تراكم كل تلك الاستقطاعات من بدايته إلى تاريخه فإنها لا تُمكِن من إنشاء شركة واحدة من الشركات الكبرى التي يمتلكها الجيش ناهيك عن سلسلة المنشآت والاستثمارات الضخمة القائمة الآن ، و يمكن الرجوع ومراجعة سجلات صندوق الضمان الاجتماعي من نشأته إلى تاريخه بافتراض عدم سحب اي جنيه واحد من حصيلة الصندوق لأي غرض ..
يؤكد لنا المنطق الواقعي بأن رأس مال هذه الشركات من موارد الشعب ومقدراته وليس من أي مصادر أخرى ..
من الملاحظ أن الجيوش في جميع أنحاء العالم التي تغولت في النشاطات التجارية من إستيراد وتصدير وتجارة داخلية وتصنيع ذو طبيعة مدنية ينحصر في جيوش معينة وهي الجيوش التي مردت على الانقلابات العسكرية مثل تركيا ومصر والسودان وهذه بدعة وينطبق عليها قول رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام ” كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار” ..
وبدلاً من الصراخ و محاولة تاليب الجيش ضد حكومة الثورة كان الأجدى بأن يقوم رئيس مجلس السيادة وهو يمثل رأس الدولة قبل أن يمثل الجيش بالدعوة لبحث كيفية إرجاع هذه الشركات لولاية وزارة المالية من غير ضجيج وتهديد ، و حينها سيتضح ما للشعب للشعب وما للجيش للجيش ..

‫شاهد أيضًا‬

غابات في المدن لمناخ معتدل

نجيب صعب : الموجات الحارة التي تجتاح العالم تترك أثراً مضاعفاً في المدن. فمباني الإسمنت وا…