‫الرئيسية‬ رأي (حكاية من زمن الدقون)..!
رأي - أكتوبر 10, 2020

(حكاية من زمن الدقون)..!

عبد الله الشيخ :

رَهَزَ من الدفوف الضاربة وتنقّلَ مفتوناً وراء بنات الصعيد والسافل، و(ما خلّ حَاجة).. أتْرَعَ من جميع الكؤوس، واستهلك من كل أنواع المرايس. باع في سوق الريد، واشترى. تمْبَكَ، ما شاء له الهوى.. أشعلها دخاخين (لامِنْ الله غَفرْ ليهو).. عاد للحِلة بعد أن تيبَّستْ ركبتيه من فِعل الغرام. عاد ،، ويا مستوراً بستر الله، مين يكشف سِرّك؟
قال لأهله إنه كان يعمل تاجراً في الصعيد، وانتهى الموضوع عند هذا الحد.. كل شيء مضي على وتيرته المُعتادة، لولا أن أحد المحسنين أكتشف سحر المكان، فبنى فوق زاوية الحِلة هذا الجامع.. قال صاحبنا في نفسه، إنه جاء على قدرٍ ليشهد بناء الصرح ليرابط فيه ويصبح حمامة مسجد، فذاك غاية المُنى وحُسن الخِتام.
في الجامع داهمته جماعة سلفية اقنعته بالهجرة بفي البلدان طلباً للغفران. أعجبته الفكرة إن كانت حقاً تخفِّف الذنوب، وما أكثرها.. علّموه الوقوف بعد كلِ جمعة ليرمي دمعتي ندم ويلقي كلمات ربما تدرجه في زُمرة المُبَلِغين. كان سِمته غَبَشاً وذا عيون غائرة وعروق نافرة.. كانت شفاهه عطشى من سوء الأفاعيل في زمان الصِّبا..
تعوّدَ صاحِبنا أن يقفز بين حين وآخر ليقول بعد الحمدلة: إعلموا يا إخوان، أن أمر الله نافذ، فأصبروا على ما تكرهون، بخير الدنيا تفوزون، و بالجنّةِ تسعدون.. وفقني الله وإياكم إلى ما فيه الصواب، والسلام ختام..
ثم يجلس..
كان هذا شأنه وهو يسوح في البلد عاليها وسافلها.. ذات ليلة جاوزَ المدى واستساغ البوح، عندما اكتشفوا يده (طّاعمة ) في تسبيك اليّخني، وتحبيش الشواء..سألوه بعد حميدِ الثناء:
– يا شيخنا، شغل الأكل الطاعم ده إتعلمتو وين..؟
– كيف يا جماعة، أنا قضيت عمري كلو بتاع صّاجات!
ثم حكى كيف أنه سوّا السبْعة وضُمّتا،، فقالوا بلهجة المتضرعين، ان ينبش لهم تجاربه، لان الناس يتمحصون باعترافات اهل الخبرة ..
ومن حينها بدأ صاحِبنا، في نبش الإرشيف..!
كانوا كلما دخلوا به قرية، قدّموه ليحكي، كيف (حام طَلَقيت) قبل أن يعود إلى سواء السبيل.. ظلّ صاحِبنا يحكي ويحكي، بين الجوامع والزوايا، كيف كان وكيف هو الآن، حتى أكملوا سياحتهم وعادوا به إلى دِياره.
كان اليوم جمعة.. تهيّبَ الجمع، لكن ما عساه يفعل؟.. ليس له إلا أن يطيع الأمير ويفْضح نفسه في مسقط رأسه .. كانوا يُحفِّزونه كي يحكي قِصته مع الدُّخان والحِسان، وكيف أنه تاب وتاب وتااب..
وقف صاحبنا متبرِّماً من صحبتهم وقد بلغت الحلقوم..وقف، وفي جوفه شيء من حتى، ومِن حنين.. قال متضجّراً دون تمائم أو تعاويذ: شوفوا يا جماعة أجيكم من الآخِر.. أنا كنت بِتاع كُلّو، بتاع أي حاجة.. سَوّيتْ وما خلّيتْ حاجة، بسْ ربنا كان ساترني.. لحدي ما وقعت في ناس الدِّقون ديل عشان يشيلوا حِسِّي في الجوامع، ويفضحوني لي الله وخلْقو..!

المواكب

‫شاهد أيضًا‬

بحفنة قمح

معاوية سعيد حينما لاذ ا رمز الفزي وزي الجنرال عثمان دقنه بكهوف جبال البحر الاحمر ،كانت است…