‫الرئيسية‬ رأي هجرة و عرس
رأي - نوفمبر 1, 2020

هجرة و عرس

خالد علي :

رأيت فيما يرى النائم ، بعد أن فرغت من أورادي وتحصيناتي اللازمة قبل النوم ، رأيت نفسي ببهو فندق واسع فخيم لم أرى مثله قط ، تستشعر فيه نعومة التكييف ولا ترى له منفذا ، وتستمتع بعذوبة الموسيقى ولا تلحظ لها سماعة ، و تبدو المشاهد واضحة من فرط تناسق الإضاءة بألوانها ومواقعها ولا ترمق لها مصباحا ، وتستنشق عبير الأزاهير ولا تدري هل الحديقة داخل البهو أم البهو داخل الحديقة ، وفوق هذا وذاك فريق عامل يتحرك جيئة وذهابا بكل رشاقة وأناقة وجمال . وكان موقعي في الوسط تماماً ولفت إنتباهي الحركة الدؤوبة ما بين البهو وقاعة في نهاية الممر الرابط بينهما ولافتة أنيقة مكتوب عليها ، قاعة المؤتمرات الكبرى ، وكانت سحنات مرتاديها تنحصر مابين أوربا و أمريكا الشمالية عدا الملامح الفرنسية لم تكن حاضرة ، وبعضهم كان يقف في شكل دائري خارج القاعة ويتناقشون بشكل جدي لا يخلو من قلق وتوتر ، وفي ساعة محددة دخل كل من في البهو إلى داخل القاعة وغُلِقَت الأبواب على طريقة قصر عزيز مصر ، ولم يتبقى إلا أنا وموظف الإستقبال وساد الهدوء المكان ، ولمحت في ركن قصي ذو إضاءة خافتة شيخ صوفي في منتصف الستينيات من عمره في كامل حلته الناصعة البياض والتي قوامها جلبابه السوداني وشاله الأخضر ومسبحته التي تتحرك من بين أنامله في حركة دائرية متصلة كما شفتيه ، تعلو ملامح وجهه الصبوح السكينة و الطمأنينة ، ودونما تردد وجدت نفسي جالساً بجواره بعد إلقاء التحية والتي ردّاها على ضوء أفضلية ما ورد في سورة النساء ، بترحاب أذهب عني شبح الوحدة والغربة ووحشة المكان ، وبدأ يحادثني بلطف وابتسامة تداعت لها كل معالم وجهه الوضيئة ، وتنقلنا في حديثنا بين العام والخاص بكل رشاقة وسلاسة ويسر ، وسألته عن رأيه في محاولة بعض المتصوفة لتأسيس حزب في السودان يخصهم لممارسة العمل السياسي ، فعاجلني بإجابته القاطعة بإعتراضه على الفكرة ، إذ أن مبادئ الصوفية في تزكية النفس ، حسب إفادته ، تتنافى وتتناقض مع مطلوبات السياسة التي إجتمع عليها الناس أنها لعبة قذرة والعياذ بالله ، وأضاف ، فإن أراد المتصوفة كأفراد للولوج في عالم السياسة ودهاليزها فعليهم بإيجاد منافذ سياسية منفصلة عن الحركة الصوفية مع كامل إحتفاظهم بمقاعدهم معنا.

وإستفسرته عما وراء أولئك الفرنجة المؤتمرون في داخل تلك القاعة ومعهم قلقهم البالغ حد الخوف ، فطأطأ رأسه لبرهة من الزمن وتنفس الصعداء ، ونظر إليّ ملياً وعَدّلَ في جلسته وقال :

( هل تعرف يا إبني ماهو السبب وراء قلق كل أولئك المجتمعون؟ لقد إكتشف العالم الغربي وعلى رأسهم أمريكا ووفقاً لإحصائياتهم الدقيقة أن إنتشار الدين الإسلامي و عدد المسلمين عندهم في بلدانهم في زيادة مضطردة وقد تسنم هؤلاء المسلمون الوافدون مناصب رفيعة في مفاصل دول العالم الغربي بسبب الهجرة غير الشرعية جراء الحروبات والصراعات التي يصنعها الغرب والتوترات التي تترعرع في كنفه في منطقتي الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ، وقد أتت النتائج عكسية تماماً لما خطط له من تضييق و تشويه لصورة الإسلام ، عبر جماعات إرهابية تدعي تطبيق الشريعة الإسلامية بصور ومشاهد لا تمت للدين الإسلامي ولا الإنسانية بصلة ، وبحروب وفتن طائفية ، يتم تنشيطها وتجديدها كل عشرة سنوات عبر أحداث مفتعلة كالحرب العراقية الإيرانية في 1982م والعراقية الكويتية في 1991م وردة فعل ضربة الأبراج التوأم في نيويورك في 2001 في العراق، والحرب على سوريا في الشمال واليمن في جنوب الجزيرة العربية من 2011 وحتى الآن والفتنة مابين قطر ودول المحاصرة ، وتغيير الأنظمة الحاكمة في كل من تونس وليبيا ومصر واليمن ومحاولات رمادية في سوريا ، وتعيش كل تلك الدول التي تغيرت أنظمتها في حالة من الفوضى العارمة في كافة مناحي الحياة، ويحارب هؤلاء المجتمعون كذلك شبح التمدد الصيني في إفريقيا ويحاولون تحجيم النفوذ الفرنسي في غربها، عبر إدراج تشاد ومعظم الدول الناطقة بالفرنسية لطائلة العقوبات الإقتصادية وحظرها من التعاملات المالية العالمية ، لإستدراجها حتى يتمكنوا من السيطرة على إرادتهم السياسية وتطويعها لمصلحة طموحاتهم في إطار النظام العالمي الجديد وهو عبارة عن لقب الإستعمار الإقتصادي المخطط له في الفترة القادمة.)

وجدت نفسي معجباً أيما إعجاب بملكة الشيخ ومهارته في سرد وتحليل الأحداث وطريقة عرضه الجاذبة المبسطة العميقة ، وزادت قناعتي بالمقولة التي مفادها أن لأولياء الله الصالحين دين الأنبياء وسياسة الملوك وحكمة الأطباء ، ولاحظ الشيخ أن ثمة حوار داخلي دائر بيني وبين نفسي ، فبادر بالإعتذار عن إطالته في محادثتي ، وعاجلته بالنفي القاطع مؤكداً على رغبتي الأكيدة في مواصلة تلك المُدارسة المهمة في شأن السياسة الدولية ، فأبتسم وطلب فنجالين من القهوة كإستراحة ، ونزولاً لإلحاحي عليه واصل الشيخ حديثه مسترسلاً :

(وكمراجعة لمخطط التضييق على الإسلام عبر معالجة الآثار السالبة للهجرة غير الشرعية مع إستصحاب المصالح الإسرائيلية العليا ، يتحاور المؤتمرون الآن في إمكانية توفير ملاذات آمنة للفارين من ويلات الحروب في أوطانهم الأصلية وإستيعابهم في دول وجزر مجاورة محلية في مناطقهم عبر مسارات تحت حماية قوات أممية في كل منطقة وقطع الطريق عليهم للهجرة ووقف المد الأسلامي لأوربا وأمريكا الشمالية، فنجاح السودان كمثال في إستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في الآونة الأخيرة والفلسطينيين من ذي قبل ، وبالرغم عن التجاوزات التي تمت في إغتنائهم للجواز السوداني والسفر عبره لدول أخرى ، إلا أن هذا النجاح كان سبباً في إعتماد السودان من ضمن خيارات الملاذات الآمنة في المنطقة التي يمكن اللجوء إليها، فعقد العالم الغربي العزم على تهيئة السودان لإستقبال لاجئي المستقبل برفع الحظر عنه وضمان إنسياب إستثمارات خليجية تساعد على إعادة بث الروح في إقتصاده وإنتشاله من على حافة الإنهيار ، وضمان جاهزيته لإستقبال مزيد من اللاجئين.

وإذا أخذنا مصر في الإعتبار ، كمثال ثاني، نجد أن الخطة هي خلق بؤر توتر في سيناء لتهجير أهلها وترحيلهم إلى داخل الأراضي المصرية عبر جذبهم لمشاريع طويلة الأجل لتأمين العمق الإسرائيلي بتوطين بعض الفلسطينين الموالين لليهود في سيناء كخط دفاع أول . كما نلحظ تنازل نظام السيسي في مصر عن جزيرتي تيران و صنافير لصالح السعودية وتطويرهما وجعلهما مناطق جاذبة لحياة رغدة بتوفير كافة سبل الحياة الكريمة ، وذلك لإجلاء الفلسطينيين المتزمتين والمتشددين فيها لتصبح فلسطين خالصة لليهود على أن تتم هذه العملية بنَفَسٍ طويل وبصورة غير محسوسة في الجزيرتين .

وبذا يكون العالم الغربي في مأمن من تداعيات الهجرة غير الشرعية وتهودت فلسطين بنسبة 100% ، وتتواصل الأحداث عاصفة ، عقدٍ بعد عقد وقرنٍ بعد قرن إلى أن يرث الله الأرض ومن وما عليها)

فوقفت مصفقاً للشيخ تصفيقاً حاراً ونظراتي المعجبة جعلته يطأطئ رأسه مرة أخرى في أبهى صور الحياء الصوفي ، ولم يتسنى لي أن أتوقف عن التصفيق ، إلى أن شعرت بأيدي تُرَبِت عليّ وصوت بعيد يناديني :

( يا راجل قول بسم الله….بتصفق في أنصاص الليالي مالك؟…شكيتك لي اللا نام ولا اكل الطعام كان حلمان إنك عرست فيني….غايتو غير الله أصلو ما بشكيك لي زول….أحي وأحي وأحي….الليلة وووب علي وووب وووب وووب….ما بقعد معاك ولا يوم ولا ساعة ولادقيقة ولاااااااا ثانية ووووووووووووووووووووو)

‫شاهد أيضًا‬

التكوين النفسي والفكري للكيزان وانعكاساته على ممارسات الحكم

مصطفى صالح : لماذا يكره الكيزان كل عناصر المجتمع السوداني؟ لماذا يمارس الكيزان العنف المفر…