‫الرئيسية‬ رأي المهر الجامح و الثعلب العجوز ، من يقود يوغندا …
رأي - نوفمبر 19, 2020

المهر الجامح و الثعلب العجوز ، من يقود يوغندا …

سالم الأمين بشير :

لم يدر بخلد مغني الراب اليوغندي روبرت كياغولاني و الذي يلقب ب ( بوبي واين) Bobi Wine ، والذي تربى بكنف والدته بدون أب ، لم يدر بخلده و هو في ذاك الحي الفقير الذي ولد و ترعرع فيه بأنه سيكون أهم شخصية تشغل الوسط السياسي ليس في يوغندا تحديدا ، إنما على امتداد دول شرق أفريقيا .

الفنان بوبي وأين تحولت نجوميته الفنية إلى نجومية سياسية بصورة دراماتيكية ، فقبل عشرة سنوات تقريبا لم يكن له علاقة بالسياسة وكل همه هو جماهيريته الفنية و استماعه بالفيلا الواسعة التي يمتلكها في أرقى إحياء كمبالا و كذلك اهتمامه بكلبته ، لكن القدر كان يخبئ له الكثير .
فعندما خرج بسيارته الكاديلاك الفاخرة مرتادا إحدى النوادي الليلية قفز عليه شخص ضربه ضربا مبرحا قال له : (انت تزهو بنفسك ، هل تظن نفسك احد اصحاب هذه البلاد ) ؟ . عرف بوبي واين ان من ضربه هو من اتباع نظام موسفيني ، و منذ تلك اللحظة تغيرت حياته راسا على عقب ، فاصبح معارضا شرسا لنظام موسفيني ، وعلق على هذه الحادثة بعد سنوات : (الان ظهر اصحاب البلاد الاصلين ، اصحابها هم الشباب الذين يرفضون الديكتاتورية و الظلم ) .
تلك الحادثة جعلت منه حصان طروادة للمعارضة اليوغندية .

المعارضة اليوغندية عجزت تماما خلال ما يقارب الأربعين عاما هي فترة حكم يوري موسفيني ليوغندا، و الذي استطاع أن يحولها من بلاد فاشلة تنهكها الانقلابات ،و النزاعات، والأمراض، و النهب المسلح، و الفقر و الجهل . إلى بلاد تعتبر من أسرع عشرة اقتصاديات في العالم ، و إلى أكبر دولة تحارب مرض الإيدز و تقلل نسبته إلى أقل نسبة عالمية في فترة لا تتجاوز العشرين عاما .
كانت المحلات التجارية تغلق أبوابها بعد صلاة العصر مباشرة خوفا من النهب و السرقة ، و في عهده أصبحت المواصلات العامة و المطاعم و البارات تعمل حتى الرابعة صباحا ، و يستطيع المواطنين السفر من العاصمة إلى أي بقعة في البلاد إلى أي إقليم في سلام و اطمئنان . و استطاع ان يحسم ويدحر جيش الرب بقيادة جوزيف كوني في شمال البلاد .
باختصار استطاع أن يطور الاقتصاد و يوفر الأمن الذي كان مفقودا مما جعل البلاد قبلة للسياح و المستثمرين من كل أنحاء العالم ، جعل من الجيش اليوغندي أقوى جيش في منطقة شرق أفريقيا رغم أنهاكه له بالمشاركة بقوات حفظ الأمن في عدد من الدول في شرق إفريقيا ، رفع من مستوى التعليم فأسس العديد من الجامعات وصلت الى اكثر من عشرين جامعة بدلا عن جامعة واحدة فقط هي ماكريري ، و التي أصبحت في عهده ضمن أفضل مائة جامعة حول العالم ..

موسفيني ينتمي إلى إثنية النيانكولي في غربي البلاد (منطقة امبرارا) و هي قبيلة مشتركة ما بينها و بين رواندا ، مما جعل الباغندا يصفونه بالرواندي .
الباغندا هم أهل الأرض التي تسمت عليها يوغندا وهي قبيلة تقطن في وسط البلاد ، خاصة في العاصمة كمبالا التي يعيش فيها (كباكا) ملك الباغندا . و ينتشرون في كل أنحاء البلاد ،و تعتبر لغتهم اللوغاندا هي اللغة الرسمية الثانية في البلاد بعد الانجليزية …
المعارضة اليوغندية لم تستطيع أن تنافس موسيفيني طيلة العقود السابقة ، لعدم تمكنها من خلق شخصية كاريزمية تنافس رئيس حزب الموتمر الوطني يوري موسفيني . و وجدت ضالتها أخيرا في الفنان الشاب الذي سطع نجمه في العشرة سنوات السابقة و استطاعت المعارضة أن تجعل منه انشودة الشباب اليوغندي الذي يتوق للتغيير .

المعارضة تعتبر موسفيني ديكتاتور يحارب و يقتل و يسجن معارضيه ، و ترى أن التطور الاقتصادي هو كذبة كبيرة نتيجة لارتفاع نسبة الفقر وسط الشرائح الضعيفة ، و يشتكون أيضا بأنه حول الحكم إلى ضيعة لأهله و قبيلته و خاصة المناصب العليا ، و ترى المعارضة أيضا بأنه ينحاز للمستثمرين الأجانب على حساب المواطنيين الفقراء . و أن نسبة ضئيلة من اليوغندين هي التي اغتنت و استمتعت بالأموال على حساب السواد الأعظم من الفقراء . وأنه ادخل البلاد و الجيش اليوغندي في حروبات و عداوات هم في غنى عنها . و حول يوغندا إلى مأخورا للخمور و الدعارة .

ما بين محاسن موسفيني التي يراها أتباعه و مساوئه التي ينظر إليها معارضيه ، تدور هذه الأيام مظاهرات دامية راح ضحيتها العديد من الشباب الذين يساندون الفنان الشاب ، وذلك عقب اعتقاله مباشرة من قبل الأجهزة الأمنية .
بوبي وأين و عدد كبير من الشباب يرون أنه لا بد من الخلاص من ديكتاتورية بوسكو و هو اللقب الذي يطلقه اليوغنديون على موسفيني . و بوسكو هو شخصية شعبية هزلية اسطورية ساخرة في الثقافة اليوغندية . و اطلاق اللقب عليه هو امعانا في الاهانة .
و قد تم اعتقال بوبي وأين عشرات المرات أن يكن المئات ، فكل ما يتم اعتقاله تخرج الجماهير في مظاهرات هادرة تطالب بإطلاق سراحه ، يروح فيها العديد من الضحايا ، فالأمن اليوغندي يستخدم القوة المفرطة تجاه أي مظاهرة سياسية أو أيا كان نوعها . فكما يقول موسفيني : (لا أحد يمتلك أسلحة أكثر منا ، و لن نتهاون ابدا في استخدام كل الأساليب لمنع الفوضى و الإخلال بالنظام) . فالاجهزة الامنية تعتبر مظاهرات اتباع بوبي واين إخلالا بالنظام ، بالرغم من ان أتباع موسفيني يحتفلون باستمرار بقائدهم و برامج حزبهم ..
لكن السلطات تضيق على المعارضة ، و لم تسمح لبوبي بالاحتفال بقبول لجنة الانتخابات ترشحه لرئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة في منتصف 2021 …

معظم الشباب يتوقون إلى التغيير و يقفون بجانب رئيس الفقراء كما يطلقون على بوبي واين خريج كلية الآداب من جامعة ماكريري ، و قد كان يتخذ هو و الشباب القبعات الحمراء و التي صارت رمزا لحزبه بل أصبح اللون الأحمر هو لونهم الرسمي و المفضل . اما أهل المصلحة و الاغنياء، بجانب مؤسسات الدولة الأمنية تساند الثعلب العجوز الذي يقترب نحو الثمانون عاما ، و يتخذ اللون الأصفر شعارا لحزبه و أتباعه .
فمن يفوز في هذه الانتخابات ، المهر الجامح أم الثعلب العجوز ؟؟

‫شاهد أيضًا‬

صورة معيبة عن الحكم المدني

د. محمد صديق العربي : بدايات الفترة الانتقالية راهن أحد الأصدقاء على ان شخصية حمدوك المعرو…