‫الرئيسية‬ رأي الطائفية وتضادها مع الديمقراطية
رأي - يناير 27, 2020

الطائفية وتضادها مع الديمقراطية

علي التلوبي
ترك المستعمر للشعب السوداني تركة سياسية مثقلة تمثلت في وجود بيتين طائفيين حالا دون التحول الديمقراطي المأمول للبلاد. وقد شكلت الطائفية، إضافة للانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، أحد أضلاع مثلث أطر لمآسي تاريخنا الحديث. وسأتحدث في هذا المقال عن الطائفية ليس بحسبانها المعامل الوحيد لتخلفنا عن اللحاق بركب الدول الحديثة، وإنما كعامل مهم ساهم في ذلك التأخر بصورة مباشرة. كما وأنها قد ساهمت أيضاً بصورة غير مباشرة في تنمية الضلعين الآخرين كما هو معلوم من تاريخنا الحديث. وسيكون حديثي مفهومياً، وليس سرداً لأمثلة وأحداث قد تم قتلها كتابة من جانب الكثيرين فصارت معروفة للجميع.
الطائفية تتعارض فلسفياً مع جوهر الديمقراطية، وذلك لأن الديمقراطية كمنهج حوكمي وإداري توفر آلية ومناخ يسمح بعرض الآراء ووضعها على طاولة النقاش ومن ثم انتخاب الأفضل منها وأحياناً كثيرة الخروج برأي هجين يحمل الأفضل من كل الآراء. وقد يكون ذلك الانتخاب في هيئة استفتاء على فكرة ما، أو قد يكون في اختياراً ما بين برامج انتخابية لأفراد أو لكيانات ما. وما تفعله الطائفية هي أنها تلغي مبدأ افضلية الرأي أو أفضلية الفكرة كمعيار للانتخاب، وبدلاً عن ذلك يصير الولاء الطائفي هو الدافع لانتخاب الفكرة بحسب انتماء صاحب الفكرة بغض النظر عما يطرحه من برنامج.
الأمر الآخر لتعارض الطائفية البنيوي مع الديمقراطية هو أنبناؤها على أسس عقائدية مقدسة. فحينما يتعلق الأمر بالمقدس فإن الديمقراطية تصبح أداة عليلة غير فعالة. وذلك أن بشرية الآراء هي افتراض واجب لكي يمكن أن يتحقق التداول المطلوب للانتخاب الديمقراطي. فإذا ما صار رأي ما هو رأي السماء فإن ذلك ينسف مباشرة كل أمل في الاستماع والتداول الذي يمكن أن يؤدي إلى انتخاب الفكرة الأفضل.
أيضاً تتعارض الطائفية مع الديمقراطية لأنها تـُخل بفعالية آلية الانتخاب القيادي الداخلي للكيان. فعوضاً عن أن يكون انتخاب قيادات الكيان الطائفي بحسب الكفاءات، فإنه يصير انتخاباً بحسب درجة القرابة من مركز الطائفية وأصلها المتوارث. فتصير القيادة محصورة في تلك الأسرة الطائفية. ومما يزيد الأمر سوءاً هو أن القيادي بالكيان الطائفي عادة يتم تنصيبه مدى الحياة بما يتعارض أيضاً مع مبدأ ديمقراطي مهم ألا وهو مبدأ تداول السلطة خلال فترات قصيرة نسبياً. وأهمية ذلك التداول للسلطة هي إتاحة الفرصة لتجديد الأفكار التي حتماً ما يصيبها الركود والرتابة تحت قيادة نفس القائد لمدة طويلة. كما وأن تجديد القيادة مهم لمجاراة والاستفادة من التطور التقني والمعرفي والمنظومي الذي تكتسبه الأجيال الأكثر حداثة. ولا ريب إذن أن الدول الديمقراطية تضع حداً زمنياً أقصى للفترة التي يمكن للقيادي أن تتسنم الرئاسة. كما وأن العرف في الشركات الكبرى هو أن الحد الأعلى لرئيس واحد هو حوالي عشر سنوات.
وللقائد الطائفي مكانة مبجلة وسطوة قداسة بالمجتمع الطائفي. وهذه القداسة تجعل من الصعب تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة التي تتصف بها المنظومة الديمقراطية الحديثة. فيكون القائد الطائفي هو السلطة المطلقة التي لا يمكن معها مراقبة أدائه المالي أو الوظيفي، ناهيك عن حسابه أو حساب أحد أفراد أسرته أو المقربين إليه. كما وأن ذلك التبجيل، إضافة إلى ما أسلفناه عن طول مدة القيادة، يؤدي بالقائد الطائفي إلى تضخم ذاتي مما يزيد من تضاد الكيان الطائفي مع الديمقراطية. كما وأن القائد الطائفي بوصفه قد تعود على تلك المكانة المتوارثة منذ المهد يكون قليل النضج التجاربي والمشاعري وغير عارف ولا عابئ بأمور الطبقات المختلفة بالمجتمع بما في ذلك الطبقات الأكثر فقراً. والقائد الطائفي يعتبر أن القيادة المتوارثة هبة ربانية مستحقة وأبدية لا يتوجب معها أن يشحذ مهاراته أو أن يقدم إنجازات تحقق له استحقاق البقاء في موقع القيادة.
نلاحظ أن بعض مثقفي الكيان الطائفي الذين قد ورثوا الانتماء للطائفية يظنون أن العمل الإصلاحي من داخل الكيان الطائفي سيمكنهم من كسر حصرية دائرة تداول السلطة داخل ذلك الكيان. ومن التجربة ومن واقع النظريات المؤسسية فإن من أصعب الأمور تغيير ثقافة راسخة لكيان ما. ومن ذلك فإن أفضل طريق للإصلاح في تقييمنا هو أن يفارقوا ذلك الكيان وأن ينضموا إلى أحد الكيانات ذات البنية الحديثة التي تتبنى منظومات قائمة على آليات ديمقراطية حقيقية. وذلك سيمكن تلك الكفاءات من الانعتاق من نير التبيعة والدونية المفروض عليهم بالكيان الطائفي ومن ثم النمو القيادي بتلك الكيانات الحديثة.
لقد فطن الكثيرون من قيادات الكيانات العقائدية إلى المعضلات التي قمنا بتفصيلها فتجنبوا بكل حكمة أن يقحموا بتلك الكيانات في ساحة السياسية والحوكمة. ولقد نتمنى أن تكون القيادات المثقفة للطائفية السياسية بمستوى العمق الفلسفي الذي يجعلها تشرع من تلقاء نفسها في إصلاح مناهجها وممارساتها الداخلية لأجل الدفع بتلك الكيانات في درب الانفصال التدريجي عن الساحة السياسية والحوكمية، والاحتذاءً بأكثرية الكيانات العقائدية السمحة في التركيز على الأهداف الروحانية المطلوبة للكيان.
هذه ليست دعوة لإقصاء كيان ما، وإنما مساهمة بالنقد الديمقراطي الذي نتمنى أن يساهم في التسريع بالدفع بعجلة التطور المجتمعي إلى الأمام عبر آليات التنوير. وإن ما يجعلنا نشعر بالتفاؤل هو أن الأجيال الحديثة قد تجاوزت الطائفية التي قد تآكلت رقعتها نتيجة لانفتاح هذه الأجيال على العولمة، وتحت وطأة التبدل التدريجي الطبيعي للأجيال الآفلة بالأجيال اللاحقة. وهذا لا يجب أن يقلل من همة الكيانات السياسية الحديثة في التحضير والاجتهاد لكسب ثقة الناخب. فرغم كل شيء، فلا زالت للطائفية أحد مهددات الديمقراطية، لا سيما في حال تحالفها المتوقع مع الجماعات التي تتخذ الدين مطية نحو السلطة السياسية.

‫شاهد أيضًا‬

حكم حمدوك وحكم العمبلوك.

يوسف البروف يا جماعة اعزرونى على تكرار القصة دي، لكن والله عاجباني شديد خلاص، وكل مرة بلاق…