‫الرئيسية‬ رأي هاشم صديق:مرافعات الحَراز ضدَّ رهان المطر!
رأي - منوعات - فبراير 4, 2020

هاشم صديق:مرافعات الحَراز ضدَّ رهان المطر!

هاشم ميرغني
على مدى أكثر مِن خمسين عاماً ظلَّ هاشم صديق متوهِّجاً باستمرار ــــ مثلَ شمسٍ لا تغيبُ أبداً ـــ في قلبِ ذاكرةِ هذا البلد،متغلغلاً عبرَ الحناجرِ الصادحة للمغنِّين،وفضاءِ الخشبة، وأثيرِ “هنا أم درمان”، وأروقةِ “المعهد”، وزُرقة الحبر وهي تتخلِّقُ كلمةً كلمةً لتعمرَ أطلسَ البياض بكائناتها الشعرية والدرامية الغامضة ومجرَّات قلقها الوجودي الممضِّ، حتى وحشة أرصفة الهزيع الأخير من الليل، وحزن سكك المغارب، وغربة الشعراء الأزلية، أي المبدعين كافةً، في غسَقِ هذا الكون.

ما بوَّأَ هاشم صديق بؤرةَ الذاكرة ليس ــ فقط ــ أنه رسمَ من دمِ القُرشيِّ خارطةً لفجرِ الخلاص، ونسَجَ رايةَ أكتوبر المرفرفة أعلى السارية، وتحدَّثَ بلسانِ ما يتكلَّمُ بلغةِ الصمت: طلَّة وردة من السور، أساور في أيدين طفلة بِتحفَظْ في كتابْ الدين، الوطن الممدَّد على إبر الكَفاف، بيوت الطين والسترة والعفاف،الحراز والمطر، المحطات والمواني، القطارات والسفن… وقبر الغلابة المنسي مجدوع في الفيافي.

وليس ـــ فقط ــ أنَّه فضحَ غدرَ الخناجر التي تطعن ظهر الغناوي ، والدسائس التي تجاهد أن تلوي ساعد الضمير، راكزاً ببسالة أمام الغول ــ بشتى أقنعته المتحوِّلة التي لن تستر قبحته وبشاعته ـــــ مراهناً على تبخُّرِه تحتَ نورِ الشِّعر الباهر الكاشف المضيء مثل ظهيرة سودانية حارقة.

ليس كل ذلك فحسب ما بوَّأَ هاشم صديق بؤرةَ ذاكرة الناس والكتابة والتاريخ ، بل،وأيضاً، انتباهه الحاد لضرورة الارتباط العضوي بين الكاتب ونصوصه ؛ فقد ظلَّ ذلك الكاتب/النصُّ الذي تتلبسه نصوصه ليل نهار قابضًا ــ في مختلف الحِقَب والتقلُّبات ــ على جمر مبادئِه وثوابته ،مشتعلا بحرائق الحرف والمعنى، واقفاً على وحشة الرصيف”مشدود تقولْ ساقْ الحراز” حينما حمل القطار الكثيرين من مجايليه وتلاميذه إلى مزالق الدعة، وعسل الطمأنينة الخادعة، والكراسي الوثيرة لـــ”ساس يسوس”، أو حملتهم رياح المنافي بعيداً إلى مدن الصقيع.

لم ينحنِ هاشم سِوى للوردة ، ولم يبايع سوى كفِّ الوطن ، ولم يغمسْ قلمَه سوى في دواة “المبدأ والنار والغضب”، ولم يراهن سوى على ضمير الشعب،ولم يصغِ سوى لصوت”المستضعفين الذين سيرثون الأرض” ، ولم يحمل في جراب رحلته الطويلة سوى همِّ هذا البلد:
يابلَدْ
هاكِ إيديّا ووحاتِك
إنتي زادي وقصري والمالْ
والكتابةْ
مِنِّكْ اتعلَّمتَ أصبُرْ
وكيف أحِسْ ألمَ الغلابة
واتحدَّى بيك تعبَ الطريقْ
وشقا الزمان وقتين يضيق
واتملَّى بيك
وأحس بيك من الصِّغَرْ
حتى القَبُرْ
واحلفْ عليكْ
ترجِفْ عُروقي من المهابة
انحنى، نعم، ولكن ليس للريح كيما تمرُّ، أو الطاغية كيما يستبدُّ، ولكن للوردة ورصفائها في النبل والرهافة والاتِّساق : البسمة والدمعة والجمرة، القطاطي والمرافي والسواقي…إلخ إلخ :

انحنيت للوردة
ما للريح
ولا سيف الخليفة
انحنيت لي بسمة صالحة
ودمعةْ صادْحةْ
ولُقْمة مالحةْ
وراحةْ
في سُترة رغيفةْ
…..
في سِفْر أشعاره الذي افتتح سطوره البهية منذ بدايات الستينيات،وعبر مجمل أعماله الدرامية: من مسلسلات: قطر الهم 1973 ،الحراز والمطر 1979 ،الحاجز 1984، الديناصور 1988 ، الخروج من النهر 1993 ، طائر الشفق الغريب 1993 حزن الحقائب والرصيف 2001 ،….إلخ إلخ ، ومسرحيات تُوِّجَت بأكثر من جائزة وتكريم :أحلام الزمان 1972، نبتة حبيبتي 1973، وجه الضحك المحظور 1998…إلخ يوالي هاشم مرافعاته الجمالية باذخة الدلالة مراهناً على تحرُّر الحراز من الاشتراط الجبري للمطر؛ فهذا الشجر الغريب ــ الذي انتبه إليه أكثر من مبدع سوداني غير هاشم صديق مثل الصلحي وحميد ــ يقف عارياً،وحيداً، وموحشاً شاهراً شوكَه الحاد كأسنَّة في وجه الأمطار النازلة التي لا تستطيع إرغامه على قيد الاخضرار القسري ضمن قطيع الأشجار الأخرى النازلة تحت سطوة منعه أو منحه ، مستقلا برأيه أن يخضرَّ أو يغبرَّ حينما يشاء غيرَ خاضعٍ سِوى لنداء صوته الداخليِّ العميق.
حاشية:
استفدتُ في كتابة هذه الشهادة المقتضبة من افتتاحية كتبتُها لحوار مطول أجريته مع الشاعر والدرامي هاشم صديق قبل أكثر من عشرين عاما برفقة الزميل عثمان شنقر ، ونُشِرَ حينها في صحيفة “الغد” على مدى ثلاثة أعداد، وأُعيد نشره في “كتابات سودانية”.

‫شاهد أيضًا‬

صهيب عبد الباري : تمت برمجة فيلمي للعرض في إسرائيل دون علمي

الخرطوم – الشاهد قال صهيب قسم الباري مخرج فيلم “الحديث عن الأشجار” أنه ن…